طارق رمضان.. يقرأ أزمة المآذن السويسرية
لوحة كبيرة وبديعة جمعت بين صورتين إحداهما للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة ثانية للخارطة السويسرية باللونين الأحمر والأبيض -هما لون العلم السويسري- ازدانت بهما أحد جدران باحة مسجد المؤسسة الثقافية بمدينة جنيف، وهو الجدار المواجه للمدخل الرئيسي للمسجد كيفما يتراءى للعيون، وتتنسم منه الأرواح عبق الدين والوطن في مزج فني بديع لا يخفى على أحد ما يحمله من ترميزات عميقة ومضامين راقية.كابوس الاستفتاءكان هذا هو الحلم الإسلامي السويسري الهادئ الذي امتزجت فيه قيم الدين بمعاني المواطنة في ثقافة توحيدية استعصت على الأمراض السياسية والمجتمعية التي تترنح تحتها دول أخرى، ذلك المزيج الذي استمد مزاجه المعتدل من النمط الذي يعيش على هذه الأرض منذ عقدين فقط، إذ يمكن التأريخ للتواجد الإسلامي بشكله الحالي في سويسرا من عمليات الهجرة التي خلفت حروب البلقان في البوسنة والهرسك، ثم كوسوفا وألبانيا، وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي في نهايات القرن الماضي.
كان المسلمون قبل ذلك التاريخ، وحتى يومنا هذا -كما تؤكد إحصاءات السكان الرسمية- يشكلون فقط 5% من إجمالي عدد السكان أغلبهم من البلقان وتركيا، أما العرب فلا تزيد نسبتهم في هذه الجالية عن 6%، وهم إلى جانب قلتهم الديموغرافية لا يشكلون زخما فكريا أو تيارا ثقافيا سياديا في الجالية المسلمة.
والنموذج الإسلامي في سويسرا يميل للنمط الإستاتيكي غير الحركي الذي لا يسيس الدين، ولا يقحمه في قضاياه الحياتية، بل يحصره في مجموعة الطقوس والشعائر التعبدية التي تمليها عليهم شريعتهم بما يتماشى والنموذج العلماني الأوروبي.
بل لا نبالغ إذا قلنا إن قضايا الدين بوجه عام -إسلامية كانت أو غير إسلامية- لا تلعب دورا محوريا في الحياة السويسرية -أو هكذا كان يبدو الأمر لبعض المراقبين- بوصفها دولة علمانية تتبع النموذج العلماني الفرنسي، حتى معظم مسلميها كانوا من أبناء الجيل الثاني من المسلمين المهاجرين إلى فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
مرة ثانية كانت اللوحة المنقوشة على جدار باحة المسجد تعكس لوحة أخرى منقوشة بنفس الزخم في عقول المسلمين لوطن يتسع لهم كمواطنين، ولا يضيق بأربع مآذن هي كل ما يوجد على أرض الكونفدرالية السويسرية.
إلى أن تحطمت هذه الحقيقة على صخب استفتاء الأحد 29 / 11 الذي قضى بمنع بناء المآذن بنسبة تزيد عن 57.4% ليشير إلى تكتل راديكالي مسيحي صهيوني يعبث بقيم العلمانية وحقوق الإنسان، فضلا عن حقوق المواطنة، وغير ذلك من المواد التي تشكل الركن الركين في الدستور السويسري؛ حيث لا تملك الحكومة السويسرية حاليا بمقتضى هذا الدستور إلا إصدار القوانين لتطبيق نتائج هذا الاستفتاء (الشعبي) على أرض الواقع.
حظر المآذنتلك كانت مقدمة المقالة التي كتبها الدكتور طارق رمضان -يوم الأربعاء 2 ديسمبر على موقعه الرسمي- يتناول فيه الأزمة الجديدة بعد أن تناولها بإسهاب في العديد من كتبه عبر قضايا وأطروحات الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، ومد بقلمه الفياض جسور التعايش بين الحضارتين على أنقاض النظريات الصدامية التي روج لها اليمين الغربي والإسلامي.
كانت فكرة التوحدية الحضارية بين الإسلام وأوروبا هي عمود المشروع الفكري للدكتور رمضان الذي أفسح له عبر زهاء عقدين من الزمان -هما عمر الجالية المسلمة في سويسرا- جهده ووقته وتمخض فيما تمخض عن كتب قيمة من شاكلة (اعتقادي 2009)، و(الإصلاح الجذري 2009)، و(المسلمون الغربيون ومستقبل الإسلام 2004)، و(الإسلام والغرب وتحديات الحداثة 2003)، و(لتكون مسلما أوروبيا 1999)، و(المسلمون في فرنسا.. الطريق إلى التعايش).
ومن المفارقات أن يتزامن إعلان حظر بناء المآذن في سويسرا مع إعلان الدكتور رمضان واحدا من أهم مائة مفكر أثروا وأثّروا في العالم من خلال استفتاء آخر دشنت له مجلة Foreign Policy "فورين بوليسي الأمريكية" هذا العام، تقديرا له على مشروعه الانفتاحي بين الحضارتين بعد حالات "الرفض الفكري" و"الإمبريالية العسكرية والثقافية" التي اقتاتت عليها مشاريع التصادمية الحضارية والأطروحات الراديكالية في كلا الفصيلين.
جدير بالذكر أن الدكتور رمضان كان العام الماضي من بين أهم عشر مفكرين في العالم عبر استفتاءين نظمت لهما مجلتا Foreign Policy "فورين بوليسي الأمريكية"، وProspect "بروسبكت البريطانية"، وهو -كما قدمته صحيفة Washington Post "واشنطن بوست الأمريكية" على لسان كاتبها (بول دونلي)- "مارتن لوثر الإسلام"؛ كما اعتبرته مجلة Times "المجدد الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين".
كل هذه الشهادات، وغيرها الكثير مما لا يتسع المجال لبسطه، كانت أوسمة تقدير على صدر المشروع الرمضاني القائم على الانفتاحية والاندماج بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وداعية للاستلهام من هذا المشروع من أجل عولمة أكثر إنسانية!!
والدكتور رمضان أيضا هو المسلم دينا والسويسري وطنا! وهو النموذج الذي يحمل في جوفه قلبين لهويتين دينية ووطنية ليس بينهما تنافر، وتغذيهما جميعا دماء الاندماج الإثرائي في نسق عقدي سياسي فريد يتماشى مع كل أطروحات العولمة وشتى دعوات الانفتاح الحضاري، فلا يصرفه ولاء عن ولاء، ولا يأخذه انتماء عن انتماء.
وهو قبل ذلك كله ابن الدكتور سعيد رمضان المفكر الإسلامي الكبير، والذي كان بين عناصر أولى موجات الهجرة العربية التي حطت على الأراضي السويسرية واستوطنتها في العام 1954، بحثا عن أرض جديدة تتسع لأحلام حريات الدين والفكر بعد أن ضاق بها النظام الناصري في مصر كما قام (الدكتور رمضان الأب) ببناء أول مسجد في سويسرا في العام 1961!!
المعول الزائف!!تكلم الرجل في بداية مقاله -كالمعتاد- من حيث سكت الجميع؛ فنسبة الـ34% التي صوتت ضد الحظر كانت صادمة لحزب الشعب اليميني السويسري (وهو الحزب الوحيد الذي أيد هذه المبادرة) إذ لم يتوقع أكثر المتشائمين فيه التصدي بهذه النسبة لمبادرتهم.
ولكنه يعود ليؤكد أن نسبة كبيرة أخرى بلغت الـ57% وقفت على الجانب الآخر تؤيد هذه المبادرة التي ملأت الدنيا كلاما عن المخاوف التي تجتاح العقل الجمعي السويسري، وحالة عدم الثقة التي تشكل تيارا عاما ضد الإسلام والمسلمين.
لقد عمد حزب الشعب إلى توظيف قضية المآذن كغطاء لحملة شعواء كان مقتضاها أن "الإسلام في جوهره لا يتماشى مع القيم والثقافة السويسرية"، وصورت المسلمين كأناس "يعمدون إلى التوسع واحتلال سويسرا تمهيدا لأسلمتها".
واعتمد الحزب في هذه الحملة (التي جاءت على غير إرادة جميع الأحزاب السياسية الأخرى) خطابا تحريضيا لا يتسم فقط بالديموجوجية واللاعقلانية، بل يتعداها إلى مستويات العنصرية والفاشستية، غير أن هذا الخطاب -وبرغم كل عوراته- ظل الخطاب الوحيد المسموع على الساحة السياسية والاجتماعية.
وبرغم تأكيدات رمضان على أن محكمة العدل الأوروبية لن تقبل بنتائج هذا الاستفتاء، فإنه يبرز عددا من الحقائق على الجميع أن يواجهها، أهم هذه الحقائق هي تلك التي تقع في دائرة الشعب الذي اختار تحت مطرقة الخوف بأغلبية 57% أن يضع القيم الأصيلة والتاريخية لبلاده والتي تقوم على احترام الأديان موضع الجدل والريبة مقابل أربع مآذن هي كل ما تمتلكه سويسرا يوم صوت للتمييز ضد طائفة دينية بعينها.
إن مسلمي سويسرا -وغالبيتهم الغالبة من البوسنيين والكوسوفيين والأتراك، كما أسلفنا- لم يكونوا يوما مصدر قلاقل أو اضطرابات على أي صعيد، مما دعا السلطات إلى التطلع الدائم نحو عمليات اندماج إثرائية ناجحة ومثمرة.
ويتساءل رمضان: "ماذا حدث إذن بسويسرا؟" لقد أدار الحزب هناك حملة توظف مشاعر الخوف توظيفا برجماتيا، واستخدم فيها صورا خسيسة لتأجيج هذه المخاوف بطريقة مبتذلة تجلت أكثر ما تجلت بعرض لوحة للمآذن في شكل صواريخ تحجب العلم السويسري، وإلى جانبها امرأة مسلمة في زيها الشرعي.. كانت هذه هي نماذج الدعاية النمطية الرخيصة التي أدت إلى نجاح حملة الخوف!!
نتائج المبادرةويخرج رمضان من هذا المشهد بدعوة واحدة وواجبة للجميع أن يضطلعوا بمسئولياتهم ضد هذا التنميط المبتذل، ويواجههم بخطورة نجاح حملة كهذه ضد إرادة المؤسسة السياسية بأكملها باستثناء حزب وحيد هو الحزب الشعبي الراديكالي!!
أما الدعوة الأولى فهي بحق المسلمين السويسريين الذين ينبغي عليهم أن يصيخوا مسامعهم لفحوى نتيجة الاستفتاء: إن إخوانهم المواطنين يخافونهم، ولا يولونهم الثقة اللازمة كأبناء وطن واحد، ومن ثم فقد حان الوقت لتغيير "إستراتيجية الدفاع عن النفس" التي يتبناها المسلمون ضد كل ما يتعلق بالإسلام إلى إستراتيجية أخرى تتمركز على الانخراط الكامل في المجتمع عبر وعي عميق بجميع قضاياه.
والدعوة الثانية تتعلق بالمواطنين في سويسرا وبكل المقيمين على هذه الأرض بوجه عام؛ حيث أصبحت الحاجة ملحة في المرحلة الآنية للمشاركة في جميع القضايا المجتمعية كقضايا التعليم والتوظيف والاقتصاد والسياسة والثقافة والبيئة... إلخ عبر آليات إيجابية وفعالة، وأن "يُطَّبعوا" وجودهم على هذه الأرض عبر إسهامات تقوم على أسس المواطنة والتعددية في جميع السجالات السياسية والاجتماعية المطروحة؛ ويؤكد الدكتور رمضان أن الوقت جزء من العلاج لأن تغيير المفاهيم يرتبط بالكيانات الحية، وليس بالإعلانات الساذجة عن النوايا الحسنة!!
ودعوة أخرى أو حقيقة أخرى يتوجه بها الدكتور رمضان إلى القادة السياسيين بأن يتحملوا مسئولياتهم بشجاعة ومصداقية تجاه النتائج الكارثية التي تمخض عنها هذا الاستفتاء؛ فعلى الرغم من معارضة كل الأحزاب الرئيسية لمبادرة الحزب الشعبي، فإن مواقفهم السياسية حيال القضايا الإسلامية كانت دائما متلبسة وغير واضحة المعالم.
فالمعارضة التي قدمتها هذه الأحزاب في وجه مبادرة الحزب الشعبي الراديكالي كانت تتعرض للتشويش الفكري والتهميش السياسي عبر حديث مضطرب -أو اضطراري فيما يبدو- عن قضايا إشكالية وهمية كالعنف الإسلامي ضد المرأة والاندماج إلى غير ذلك؛ ومن ثم صاغت المعارضة العرجاء في مقابل المبادرة الصارمة رسالة واحدة هي أن فوق هذه المآذن ومن خلفها يتربص الإسلام والمسلمون وفي جعبتهم العديد من التعقيدات والإشكالات!!
إن الإشكالية الحقيقية تكمن -كما يراها رمضان- في العزلة التي ضربتها هذه الأحزاب حول نفسها فوقفت بعد ثلاثة أجيال بمنأى عن الخطاب الاندماجي، وعن سياسات نزع الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وأخيرا عن قبول حقيقة الإسلام كدين سويسري وأوروبي، وأن الغالبية الغالبة من المواطنين والمقيمين المسلمين يمثلون قوة إيجابية وديناميكية في مستقبل المجتمع.
إن الضرورة الوطنية تفرض على هذه الأحزاب في المرحلة الراهنة أن تضطلع بمسئولياتها من خلال طرح شامل وشجاع يقوم على التوفيق بين سياسات المساواة في فضاء الدولة وإدارة التعددية والتنوع في فضاء المجتمع.
الإعلام وقيم الديمقراطيةوأخيرا تبقى مسئولية الآلة الإعلامية التي تعمل لحساب هذه الأحزاب وتروج لأيديولوجياتها ورؤاها، والتي ينبغي أن تقف أمام المرآة وتواجه نفسها مباشرة بحقيقة الإستراتيجية التي تعتمدها، إذا كان ثمة إستراتيجية محددة!!
لقد أصبح فرضا على هذه الآلة أن تلتفت إلى أن "حرية التعبير" قد خلفت مناخا لا يترك قضية جدلية إلا ليولي وجهه شطر أخرى، متكئا في هذا المسلك على إحساس شعبوي عام بعدم الرضا وعدم الأمن.
فالزيادة المطردة في البرامج الحوارية عبر جميع الوسائل الإعلامية، والفشل في سبر أغوار القضايا المجتمعية الهامة حتى استحالت جميعها قضايا جدلية ضاعت منها الحلول، كانتا القدمين اللتين ارتكزت عليهما مشاعر التوجس والخوف، وقيم الانسحاب ورفض "الآخر".
فالتعبئة الشعبوية بتوجيه الحالة الشعورية العامة سلبا، وتأجيج المخاوف، وخلق تيار توجسي عام، هم ثالوث الغلبة والنصر عندما يغيب أو يُغّيب الحوار، أو عندما يجرى في ظروف تتمكن فيها الدعاوى السطحية والقضايا الهامشية من العقل والسجال العقلاني.
إن الديمقراطية لا تتمثل في قدرة الجميع في التعبير عن ذواتهم، ولكنها تتمثل وتكتمل معانيها عندما يتمكن الجميع من التعبير عن أفكارهم وأنفسهم في مناخ وتوجه عام يعتني ويحمي قيم النقد البناء، ويرفض دغدغة الغرائز والمخاوف الشعبوية، وتأجيج مخاوفهم لأهداف برجماتية تضر بالمصلحة العامة.
والتاريخ يقف شاهدا على أن العنصرية في أسوأ معانيها وأبشع صورها قد اقتاتت على مناخ ديمقراطي سقيم لم يعبأ بالنسق القيمي للآلة الإعلامية؛ فالترويج لمشاعر الخوف، ووسم "الآخر" والابتذال في تصويره يعنى بلا شك مزيدا من القراء والمشاهدين والمستمعين، ولكن التأطير الأخلاقي للعمل الإعلامي يعني من الناحية الأخرى التحرر الكامل من سلطوية معدلات التوزيع والربح المادي.
وعودا على بدء يؤكد الدكتور رمضان أن ثمة خطوات قد قُطعت على الطريق، غير أن الطريق لا تزال طويلة، والرحلة الشاقة تحتاج على الأقل -كما أفصح في كتابه الأخير (اعتقادي)- لجيلين لقهر مشاعر التوجسية والخوف وتيارات الفكر الصدامي التشككي.
إن المسئولية جسيمة في خلق وضعية جديدة باسم "نحن" يندرج تحتها الجميع؛ زودا عن الحقوق المكتسبة ودفاعا عن المساواة المشروعة، شريطة أن يخرج هذا "الجميع" عن صمته وأن يتوقف البعض عن القيام بدور الضحية في المنظومة المحلية والعالمية، فاليوم المآذن، وغدا -بحسب الدكتور يوسف القرضاوي- المساجد، والقائمة تطول!!


رد مع اقتباس

