-
رد: لهيب الجمال في أزمنة الجليد ( قصة )
ارتمى على سريره داسا رأسه في اللحاف و الدموع تنهمر كالمطر من عينيه و الأوجاع تقصف كالرعد في أرجاء نفسه. تذكر مطر الوطن و الرياح العاصفة و السير بين الأشجار و القفز فوق السواقي ، الجلوس في الكهوف حيث المواقد و الأحاديث الصاخبة . تذكر والديه و إخوته و الأماسي الجميلة فوق السطح و تحت شجر الليمون العابق ... تذكر مقاعد الدراسة و الرغبات التائقة للتفوق و التمييز و التقدم في مجالات العلوم المختلفة ... تذكر النقاشات الساخنة في زوايا المسجد وعلى سطوحه ... النزاعات الحزبية و مجالس الصلح و التعليقات المتأخرة المقروضة بالآلام و المآسي ، و النرجسية المفرطة لحكماء القرية و وجهائها ... ليالي رمضان و سحور البرية و إبريق الشاي الذي كان يغلي فيؤجج النقاشات لتتصاعد أبخرتها إلى الأذهان ترتسم صورا لمستقبل موهوم ... تذكر كل شيء دفعة واحدة فاستلقى على ظهره و سحب اللحاف إليه و غط في ثبات ذكرياته .
في البراري يسير مستمتعا باللون الأخضر الساحر ، العصافير حوله تزقزق في حبور ترنو إلى بعضها في خفر و تقفز من غصن إلى غصن. فراشة هناك تطير مستحمة بضوء الشمس فتشع بألوان زاهية ، تغط على ورقة في الجدول عالقة بين غصنين متدليين من شجرة صغيرة تتوق إلى الإنغماس في النهر . تماما كتلك الفتاة المندفعة المتعطشة إلى الإنغماس في الجداول المتدفقة. بينما هو لا يزال يسبح عكس الجداول!
فجأة تزل قدمه فيقع في النهر ، يحاول أن يتمالك نفسه و أن يصمد في وجه التيار ، يمد يده فيمسك بأحد أغصان تلك الشجرة ، يقلق في يده ، يتشبث به جاهدا و لكن دون جدوى ! يأخذه النهر بعيدا ... يتلفت يمنة و يسرة فيجد أشجارا متدلية و أخرى نائية وهو يبتعد عنها بسرعة متضاعفة ... يهبط من مكان عال جدا ... يكاد قلبه يقفز من بين جوانبه ... يغمض عينيه ... يرتطم بشيء بارد جدا ... يفتح عينيه ليجد نفسه منغرسا في الثلج بين الصخور ... يتحرك قليلا فينغرس أكثر فأكثر... يهدأ مترقبا خائفا ... و إذ أيقن بالهلاك يتطلع إلى السماء بانكسار و ذل يناجي مولاه : ياربي يا بارئي يا من أوجدتني بمحض جودك و فضلك ... أنقذني مما أنا فيه ... أستغيث بك يا مغيث ... أستنجد بك يا كريم ...
يتحرك بقوة ليفلت من براثن الثلج الذي كاد يغمره بالكامل ... فجأة ينسل بين الصخور ليهوي بقوة إلى أسفل وهو يصرخ : يا رب يا رب يا أرحم الراحمين ...
ويفتح عينيه ليجد نفسه قد وقع عن سريره يكتوي بلسعات الأرض الباردة و اللحاف فوق رأسه. ينهض بسرعة فيلقي باللحاف إلى السرير وهو يتمتم مستعيذا بالله تعالى .
وقف بين يدي ربه يناجيه ثم توجه إلى الشرفة بعد أن أعد قدحا من الشاي. يشعر بشيء من الطمأنينة وهو يرشف رشفات متتابعة محدقا في خيوط الشمس المتثائبة تظهر رويدا رويدا من بين الغيوم القاتمة صباح يوم خريفي بارد.
لقد قرر أن ينسى ما حصل معه البارحة فالأمر لا يعدو صدمة عابرة تعلم منها أن يكون صريحا للغاية و أن لا يخجل من عرض نفسه كما هو مهما كانت النتائج و أيا تكن التناقضات. فمن ذا الذي لا تعتري رغباته التناقضات ؟ إنه ليس عبدا لأهواء الآخرين و رؤاهم الخاصة. أليس هذا ما كان يحاصره في الوطن و يرزح فوق صدره و يكتم أنفاسه؟! قرار الحرية لا يرتبط بالجغرافيا و لا بالمجتمع و لكنه ينبع من الداخل و يتبلور في التصميم على التمسك بها مهما كانت الظروف صعبة و معقدة. هذه النتيجة أرضت تعطشه الكامن إلى الوطن و شوقه إلى تلك الربوع ، التي ينفخ الألم في نار رمادها فلا تكاد تفارق ذهنه و مخيلته.
نهض من مكانه و توجه إلى الحائط حيث الروزنامة ، فتحها و جعل يحسب المدة المتبقية لإجازته القادمة . شعر بالأسى حين اكتشف أن الوقت لا يزال مبكرا ليفكر بإجازة قريبة. لكنه عاد و توازن مع نفسه حين لمعت في ذهنه خواطره القديمة عن الغربة. ها هو الآن في هذه الغربة التي حلم بها ، و لا يزال هناك متسع كبير من الوقت يستطيع فيه أن يعيش بهدوء و انعزالية بعيدا عن تطفل الآخرين...
فتح الخزانة فهبت رائحة الوطن من ثنايا قطع الثياب المبعثرة التي لم يمسها صابون الغربة بعد! دس رأسه بينها و جعل يستشق عبير تلك الايام . لكل طبقة من طبقات هذه الروائح المنبعثة زمان و مكان و ذكرى. آلمه أن يغسل ماء الغربة هذه الروائح فقرر أن يشتري ملابسا جديدة و لتبق هذه القطع قوارير يحتفظ فيها بعطر الوطن!
يتبع إن شاء الله
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى