النتائج 1 إلى 50 من 73

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي رد: حكم حلول الحوادث في ذات الله تعالى عند الطبري رحمه الله تعالى وبيان حال ابن تيمية

    بسم الله وبه توفيقي...

    أخي واحد،

    بداية أشكر لك هذا النقاش الهادئ وأتمنى أن نستمر على هذه الوتيرة... ولي عندك طلب: رجاء لا تعمّم أو تستسهل النفي... وأقصد بهذا الطلب قولك: (وأما ما نقلته عن ابن تيمية وما ذكره عن أئمة السنة أحمد والبخاري وداود وغيرهم "متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته" فلا أظنك تجد دليلاً عليه) وسيأتي بيان قول ابن تيمية في ثنايا هذه المشاركة بعون الله وأنه موافق لقول السلف رضي الله عنهم... فإن كنت لم تحرّر الخلاف في هذه المسائل، فقل لم أقف أو أطلع، ولا تعمم...

    أما قولي بأن الله سبحانه يتكلم متى شاء وأن كلامه تعالى متعلق بمشيئته فهو ما تتظاهر عليه الآيات والأحاديث... أن الله يقول ويتكلم ويسأل ويُحاسب وكل ذلك منه بمشيئته في حوادث مخصوصة، لا يقوله قبلها وإنما حين وقوعها...

    وحين سردت لك في مشاركتي الآنفة "وأنا أؤمن" أتبعت كل واحدة منها بحديث نبوي صحيح، كلها في البخاري أو مسلم أو كليهما إلا واحدا... فسؤال النبي صلوات ربي عليه أصحابه: "ماذا قال ربكم الليلة" دليل على أن الله قال قوله في تلك الليلة لا قبلها... وهكذا لن تجد في القرآن أو السنة الصحيحة دليل واحد على نفي أن الله يتكلم متى شاء بما شاء...

    فأين دليلك أنت على نفي كونه يتكلم متى شاء غير أبيات ابن رسلان التي ما فتئت تكررها؟؟؟

    أما سؤالك عن تعريف المخلوق، فكل ما سوى الله سبحانه وصفاته وأفعاله فهو مخلوق... والكلام من صفاته تعالى وقائم بذاته، فهو غير مخلوق، وليس من الله شيء مخلوق... ولا أحد يقول بأنه سبحانه إذا تكلم الآن صار كلامه مخلوقا أو فعل فعلا لم يكن فعله قبل صار فعله مخلوقا إلا الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم...

    قال الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد":
    (الجهمية والمعطلة إنما ينازعون أهل العلم على قول: الله لا يتكلم، وإن تكلم فكلامه خلق)

    فانظر كيف وافقت الجهمية بكلامك...

    وقال أيضا:
    (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بمخلوق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة)

    فتأمل... وإن كنت سأركز على مسألة الكلام دون غيرها حتى لا يتشتت الموضوع...

    وقال أيضا:

    (إن [بشر] المريسي سئل عن ابتداء خلق الأشياء عن قول الله عز وجل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فقال: هذا كله كلام صلة) إلى أن قال والكلام للمريسي: (فمعنى قوله (إذا أردناه) كوناه فكان. لم يكن عند المريسي جواب أكثر من هذا، يعني أن الله تعالى لا يتكلم)

    أي أن المريسي ينفي أن الله يقول عند خلق الخلائق كن، وإنما هو يكونها فقط...

    ومشكلتك أخي واحد أنك تأخذ عقيدتك من كتب المتأخرين لا كتب المتقدمين، وأنت لم تورد حتى الآن أي استدلال بكلام السلف... وإنما غاية ما تنقله فعن الإحياء للغزالي والزبد لابن رسلان...

    والإمام الغزالي نفسه يقرّ بمذهب أحمد في الكلام رغم مخالفته له، فيقول في "إحياء علوم الدين"، الجزء الأول، كتاب قواعد العقائد، الفصل الثاني :
    (وغلا آخرون في حسم الباب منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه حتى منع تأويل قوله تعالى "كن فيكون" وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكون)

    وهذا النقل من الغزالي يفسر النقل الأخير من خلق أفعال العباد وأن بشر المريسي الجهمي إنما نفى أن الله يتكلم متى شاء... فتأمل... وانظر كيف وصف الغزالي الإمام أحمد بالغلو !!!...

    ومذهب أحمد في الكلام معروف، وقد نقل الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" عن أبي الحسن المرداوي الحنبلي أنه ذكر في كتابه "تحرير الأصول وتهذيب المنقول": (ونُقل عن بعض العلماء أن مذهب أحمد أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم بصوت يسمع)

    وقال ابن حجر في "فتح الباري" في شرح "كتاب التوحيد" - "باب قول الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم" :
    (والذي أقول إن غرضه (أي الإمام البخاري) في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء)

    فأثبت ابن حجر أن مذهب البخاري أن الله يتكلم متى شاء... وكلام البخاري في هذه المسألة بيّن جلي في "خلق أفعال العباد" له...

    وقال ابن حجر أيضا في شرح "كتاب التوحيد" – "باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا"، معددا الأقوال في مسألة الكلام:
    (والخامس : أنه كلام الله غير مخلوق ، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء ، نص على ذلك أحمد في كتاب الرد على الجهمية ، وافترق أصحابه فرقتين : منهم من قال هو لازم لذاته والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة ويسمع كلامه من شاء ، وأكثرهم قالوا إنه متكلم بما شاء متى شاء ، وأنه نادى موسى عليه السلام حين كلمه ولم يكن ناداه من قبل)

    فهل تريد أن أزيدك، أم أنك رجعت عن قولك أنه لا دليل من كلام السلف والأئمة المتقدمين على أن الله يتكلم متى شاء ؟

    وهل اتضح لك الفرق بين الصفة القديمة وآحادها الحادثة ؟

    فكون الله موصوف منذ القدم بأنه متكلم لا يعني ذلك أن كلامه كله قديم وإنما الصفة قديمة، ولا ينفي ذلك أنه يتكلم متى شاء... ولم يقل أحد من السلف بأن الكلام كله قديم أو أنه لا يتكلم متى شاء... وكلام البخاري وأحمد، وغيرهم، بيّن في الدلالة على ذلك...

    فهل تبين لك الفرق ؟

    وهل تبين لك أنك أنت من يأتي بدعاوى لا دليل عليها من القرآن والسنة أو كلام السلف بل تخالف ذلك كله...

    سأكتفي بهذا القدر سائلا المولى أن يغفر لي ما كان في كلامي من زلل أو خطأ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    156

    Lightbulb رد: حكم حلول الحوادث في ذات الله تعالى عند الطبري رحمه الله تعالى وبيان حال ابن تيمية

    الأخ الكريم أبو حسن،
    بداية، لك ما طلبت ووفقني الله وإياكم إلى قول الحق.

    أما قولك " رجاء لا تعمّم أو تستسهل النفي...إلخ" فتأمل قولي: " فلا أظنك تجد دليلاً عليه".

    وأما عن الآيات والأحاديث، وعودة إلى أصل الخلاف، فسوف أوضح في سياق هذا الرد كيف أفهمها دون القول بحدوث كلام الله. وسوف أركز على عبارتك "لا يعني ذلك أن كلامه كله قديم" وقولك "ولم يقل أحد من السلف بأن الكلام كله قديم" وأراك تجزم وتعمم.

    * القرآن كلام الله؟ وقولك بأن ليس كل كلامه قديم يشير بالضرورة إلى أن القرآن ليس بقديم أو على الأقل بعضه. فهل توافق أم ترجع عنه وتقول بأنه قديم (نعم/لا)؟ للحديث تتمة بعد الإجابة.

    وأما ما استشهدت به من قول الرسول "ماذا قال ربكم الليلة"، فالرد على ثلاثة أقسام:
    1. ما يخبر به المصطفى عن ربه مما ليس في كتاب الله فهو ليس كلام الله (هذا للعلم فقط)
    2. الرسول (ص) يخبر بما علم من ربه في تلك الليلة
    3. قد ذكرت مراراً، في قصة موسى: كلام الله قديم وسمعه موسى في الطور. وأضرب مثالاً للتوضيح مع بعد الفارق، فأقول إذا تصورنا أني وإياك في الفضاء وندائي يحتاج سنة كاملة ليصل إليك. فإذا ناديتك وأخبرتك بقصتي فأنت تسمعها وتدرك ما قلته بعد سنة ولكنك حين تخبر عني ستقول بأني أخبرتك اليوم حيث لا تدري غير ذلك... ولله المثل الأعلى.

    قولك "فأين دليلك أنت على نفي كونه يتكلم متى شاء غير أبيات ابن رسلان التي ما فتئت تكررها؟؟؟"، الأصح مطابتك أنت بالدليل على إثبات هذه الإضافة لما فيها من إيحاء بأن كلامه (وليس قدرته على الكلام) ليس بقديم وهنا محل الخلاف وأنتظر الإجابة كما أسلفت. ولن أخوض في من هو ابن رسلان ومن يقول قوله فليس هذا محله.

    * أنتقل إلى تعريفك للمخلوق "فكل ما سوى الله سبحانه وصفاته وأفعاله فهو مخلوق..."، أقول هل هو الرأي أم عندك به دليل؟ فأفعال الله عندي مخلوقة فالسماوات والأرض من فعله. وصبه العذاب على قوم عاد وإرم ذات العماد من فعله إذ قال "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ". ومثله "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ".

    وأعجب منه زعمك أني وافقت الجهمية، فأين ذاك؟
    وأما قولك "وانظر كيف وصف الغزالي الإمام أحمد بالغلو !!!..." وذلك في سياق كلامك على قوله تعالى "كن فيكون"، فأقول هو يريد تشدد الإمام بمنع تأويلها ولا يخفى ذلك (الغلو = التشدد).

    أما ما زعمت من كونه مذهب أحمد في الكلام فكان الأجدر تركه وتأمل ما ذكرت: "ونُقل عن بعض العلماء ". فكيف تقبل مثله؟

    * ثم أسألك اليوم ما قولك في تفسير قوله تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر} بـ "إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر". ثم أليس ذلك حجة عليك في أن القرآن كان قبل وجود الأحداث؟ وكيف تجمع بين ذلك وبين خطابه تعالى لمحمد "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ" وقد علمنا نزوله جملة واحدة قبل ذلك؟

    أما عن ابن حجر وزعمه بغرض البخاري، فلا دليل فيه على رأي البخاري ولا يصح أن تقول البخاري ما لم يقله. وهو الذي نقل في الجملة التي قبلها عن ابن بطال قوله : غَرَض الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب إِثْبَات السَّمْع لِلَّهِ . فهو بذلك ظن منه بغرض الإمام، فكيف يستقيم دليلك؟ ومثله ما نقلته بعد ذلك عن الإمام أحمد، فكيف تثبته؟ ثم إن كان ثم من قائل به، فكيف تجيب على ما قدمته وكيف تجمع بين ذلك؟

    أخيراً، لي رجاء في أن تبذل جهدك في الاختصار وتجنب سرد معظم ما يقع بين يديك وذلك طلباً لحصر الخلاف. ولذلك فقد أشرت بعلامة (*) عند النقاط الرئيسية في الخلاف، فأرجو أن تترك ما سواها حيث باتت الردود طويلة.

    هذا وأستغفر الله لي ولك،




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي رد: حكم حلول الحوادث في ذات الله تعالى عند الطبري رحمه الله تعالى وبيان حال ابن تيمية

    قيل: توضيح الواضحات من أشكل المشكلات...

    فكيف إذا انضم إلى هذه الواضحات البينات سوء استخدام المصطلحات والتعريفات والتسوية بين المتناقضات والإتيان بالعجائب المضحكات المبكيات...

    حتى صار فعل الله مخلوقا عندك... ولم تفرق بين الفعل والمفعول... فهل هناك أعجب من هذا؟

    ولم يصنف إمامنا البخاري "خلق أفعال العباد" إلا ليبين أن أفعال العباد مخلوقة اما أفعال الله فهي غير مخلوقة... وقد سبق نقل كلام نعيم بن حماد الذي أورده البخاري في إثبات الفعل لله... وبه استدل على أن كلام الله غير مخلوق...

    فكلام الله بمشيئته وإرادته من فعله... والكلام هو صفة ذات وصفة فعل... صفة ذات لأن الله تعالى متكلم منذ الأزل، وصفة فعل لأنه سبحانه يتكلم بما شاء متى شاء... وأنت مازلت تخلط بين صفات الذات وصفات الفعل... هذا إن كنت تثبت صفات الفعل أصلا...

    نعم، أثبتّ بمشاركتك الأخيرة أنك موافق للجهمية، وإن كنت لا تعرف سلفا حقيقة مذهبهم، لكن أقوالك موافقة لأقوال أي جهمي جلد... فالله حقيقة غير فاعل عندك... بل هو لا يأتي بأي فعل... فإن فعل شيئا بعد أن لم يكن فاعلا له صار فعله مخلوقا... ولم تفرق بين الفعل والمفعول... وبين الفعل من الله والفعل من العبد... ولا يوجد فرق عندك بين السمع والبصر وبين العلم... وهذا عين كلام الجهمية...

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "التسعينية":
    (وما ذكره أئمة السنة والحديث متبعين لما جاء من الآثار من أنه سبحانه لم يزل كاملاً بصفاته، لم تحدث له صفة ولا تزول عنه صفة ليس هو بمخالف لقولهم: إنه ينزل كما يشاء، ويجيء يوم القيامة كما يشاء، وإنه استوى على العرش بعد ان خلق السماوات، وأنه يتكلم إذا شاء وأنه خلق آدم بيديه، ونحو ذلك من الأفعال القائمة بذاته، فإن الفعل الواحد من هذه الأفعال ليس مما يدخل في مطلق صفاته، ولكن كونه بحيث يفعل إذا شاء هو صفته)

    وقال في "درء التعارض":
    (وإذا قالوا : لا تحله الحوادث , أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات , ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم , وهذا معنى صحيح , ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه ولا له كلام , ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته , وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء ,وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً بل عين المخلوقات هي الفعل ليس هناك فعل ومفعول وخلق ومخلوق بل المخلوق عين الخلق والمفعول عين الفعل ونحو ذلك)

    فلم تأت في مشاركتك الأخيرة بشيء إلا وسبق لي أن بينته أو رددت عليه في المشاركات التي قبلها...

    أعتقد أن الإستمرار في الحوار بهذا الشكل لن يأتي بأي نتيجة... فأنت تتشبث برأيك بغير بينة، ولم تأت بشيء يعضد قولك من القرآن أو السنة أو قول السلف ترد به على ما أذكره... وتتجاوز ما أنقله لك من كلام الأئمة لعدم أو سوء فهمه... وتؤول الآيات والأحاديث تأويلات باردة سمجة لا دليل لك عليها...

    فالحوار بهذه الطريقة عقيم... وقد نويت ألا أكمل الحوار إلا إن أشار علي بعض من استشرتهم بخلاف ما نويته...

    بالنسبة لي، قد بينت مذهب السلف من أقوالهم وعضدت قولي بالآيات والأحاديث... وكلي أمل أن يكون ما اجتهدت في بيانه قد صار واضجا جليا لمن يطالع هذا الموضوع...

    والله أسأل أن يتجاوز عما جاء في كلامي من خطأ وزلل وأن يغفره لي...
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 13-06-2010 الساعة 10:33 AM

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي رد: حكم حلول الحوادث في ذات الله تعالى عند الطبري رحمه الله تعالى وبيان حال ابن تيمية

    هذه إضافة لبيان موافقة الأخ واحد لمذهب الجهمية... وهي موجّهة لكل من يتابع الموضوع... حتى لا يتهمني الأخ واحد بأني أستكثر من النقول، وإنما أردت بها مزيد إيضاح لمن يتابع الموضوع...

    الخلط بين الفعل والمفعول وجعل أفعال الله مخلوقة هو مذهب الجهمية، وهذه المقدمة هي التي بنوا عليها قولهم أن كلام الله مخلوق، وقد رد الإمام الدارمي رحمه الله على شبهتهم وعراها كما في نقضه على بشر المريسي، حيث قال [ما بين معقوفتين زيادة مني لإيضاح الكلام] في الرد على أحد تلاميذ المريسي:

    (وادعيتَ [والكلام مُوجّه للجهمي] عليهم [أي على السلف] أيضا أنهم يزعمون أن كلام الله من صفاته وذاته، والكلام هو الفعل بزعمك، وزعم هؤلاء [أي السلف] أنه من الذات.

    فيقال لهذا المعارض أما ما يزعم هؤلاء فسنبينه لك، وإن جهلت، غير انك ترددت وراوغت ووالست ودلست، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فكيف تصرح بالقرآن أنه مخلوق ؟ فلم تزل عنك ودونك تلجلج بها في صدرك، حتى صرحت بها في هذه المسألة فزعمت أنه فعل، والفعل عندك مخلوق ولا شك فيه.

    وأما دعواك علينا أنا نقول : إن كلام الله من صفاته، فإنا نقوله علانية غير سر، وهو الحق المبين، وليس شيء من صفاته مخلوقاً، وكل كلام صفة كل متكلم به، خالق أو مخلوق، غير أنه لا يقاس به من الخالق والمخلوق سائر الصفات من اليد والوجه والنفس والسمع والبصر وما أشبهها من الصفات التي إذا بانت من الموصوف واستبان مكانها منه قام البائن منه بعينه في مكان آخر، لأنك ترى المتكلم من الناس يتكلم نهاره أجمع، وكلامه يخرج منه وصفاً لا ينقص من كلامه شيء الذي يخرج منه، متى شاء عاد في مثله من الكلام. ولا الكلام يقوم بعينه جسماً يرى وينظر إليه دونه، وينشر كلامه في الآفاق على لسان غيره، فينسب إليه حياً وميتاً، كما ينسب اليوم أشعار الشعراء فيقال: شعر لبيد والأعشى. ولو قطعت يده لاستبان موضع قطعه منه واستبان المقطوع في مكان آخر، فلذلك قلنا: إن الكلام له حال يخالف حال هذه الصفات الأخر، لا يقاس بشيء منها، ولا يشك فيها أنها صفة المتكلم لأنه منه خرج.

    وأما قولك : كلام الله فعله، فقد صرحت بأنه مخلوق، وادعيت أن أفاعيل الله زائلة عنه مخلوقة، والكلام أحد أفاعيله عندك فقلت قولا أفحش مما قال إمامك المريسي، زعم المريسي أنه مجعول، وكل مجعول مخلوق، وزعمت أنت أنه مفعول، وكل مخلوق مفعول...)

    وقال أيضا في موضع آخر:

    (فيقال لهذا المعارض: قد افتريتما جميعاً فيما تأولتما من ذلك، وجحدتما قول الله تعالى : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) إذ ادعيتما أن الأشياء لا تكون بقوله "كن" ولكن بكونه بإرادته من غير قول "كن"، وهذا هو الجحود بما أنزل الله، لأن الله تعالى جمع فيه القول والإرادة، فقال: (إذا أردناه) فسبقت الإرادة قول "كن" ثم قال "كن" فكان بقوله وإرادته جميعاً، فكيفية هذا كما قال أصدق الصادقين أنه إذا قال كن فكان...) إلى أن قال (...أو يحتاج في هذا إلى تفسير ومخرج؟ قد عقل تفسيره عامة من آمن بالله: أنه إذا أراد شيئاً قال له "كن فيكون" ومتى لا يقول له: كن، لا يكون، فإذا قال "كن" كان...)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •