بسم الله وبه توفيقي...
أخي واحد،
بداية أشكر لك هذا النقاش الهادئ وأتمنى أن نستمر على هذه الوتيرة... ولي عندك طلب: رجاء لا تعمّم أو تستسهل النفي... وأقصد بهذا الطلب قولك: (وأما ما نقلته عن ابن تيمية وما ذكره عن أئمة السنة أحمد والبخاري وداود وغيرهم "متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته" فلا أظنك تجد دليلاً عليه) وسيأتي بيان قول ابن تيمية في ثنايا هذه المشاركة بعون الله وأنه موافق لقول السلف رضي الله عنهم... فإن كنت لم تحرّر الخلاف في هذه المسائل، فقل لم أقف أو أطلع، ولا تعمم...
أما قولي بأن الله سبحانه يتكلم متى شاء وأن كلامه تعالى متعلق بمشيئته فهو ما تتظاهر عليه الآيات والأحاديث... أن الله يقول ويتكلم ويسأل ويُحاسب وكل ذلك منه بمشيئته في حوادث مخصوصة، لا يقوله قبلها وإنما حين وقوعها...
وحين سردت لك في مشاركتي الآنفة "وأنا أؤمن" أتبعت كل واحدة منها بحديث نبوي صحيح، كلها في البخاري أو مسلم أو كليهما إلا واحدا... فسؤال النبي صلوات ربي عليه أصحابه: "ماذا قال ربكم الليلة" دليل على أن الله قال قوله في تلك الليلة لا قبلها... وهكذا لن تجد في القرآن أو السنة الصحيحة دليل واحد على نفي أن الله يتكلم متى شاء بما شاء...
فأين دليلك أنت على نفي كونه يتكلم متى شاء غير أبيات ابن رسلان التي ما فتئت تكررها؟؟؟
أما سؤالك عن تعريف المخلوق، فكل ما سوى الله سبحانه وصفاته وأفعاله فهو مخلوق... والكلام من صفاته تعالى وقائم بذاته، فهو غير مخلوق، وليس من الله شيء مخلوق... ولا أحد يقول بأنه سبحانه إذا تكلم الآن صار كلامه مخلوقا أو فعل فعلا لم يكن فعله قبل صار فعله مخلوقا إلا الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم...
قال الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد":
(الجهمية والمعطلة إنما ينازعون أهل العلم على قول: الله لا يتكلم، وإن تكلم فكلامه خلق)
فانظر كيف وافقت الجهمية بكلامك...
وقال أيضا:
(ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بمخلوق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة)
فتأمل... وإن كنت سأركز على مسألة الكلام دون غيرها حتى لا يتشتت الموضوع...
وقال أيضا:
(إن [بشر] المريسي سئل عن ابتداء خلق الأشياء عن قول الله عز وجل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فقال: هذا كله كلام صلة) إلى أن قال والكلام للمريسي: (فمعنى قوله (إذا أردناه) كوناه فكان. لم يكن عند المريسي جواب أكثر من هذا، يعني أن الله تعالى لا يتكلم)
أي أن المريسي ينفي أن الله يقول عند خلق الخلائق كن، وإنما هو يكونها فقط...
ومشكلتك أخي واحد أنك تأخذ عقيدتك من كتب المتأخرين لا كتب المتقدمين، وأنت لم تورد حتى الآن أي استدلال بكلام السلف... وإنما غاية ما تنقله فعن الإحياء للغزالي والزبد لابن رسلان...
والإمام الغزالي نفسه يقرّ بمذهب أحمد في الكلام رغم مخالفته له، فيقول في "إحياء علوم الدين"، الجزء الأول، كتاب قواعد العقائد، الفصل الثاني :
(وغلا آخرون في حسم الباب منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه حتى منع تأويل قوله تعالى "كن فيكون" وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكون)
وهذا النقل من الغزالي يفسر النقل الأخير من خلق أفعال العباد وأن بشر المريسي الجهمي إنما نفى أن الله يتكلم متى شاء... فتأمل... وانظر كيف وصف الغزالي الإمام أحمد بالغلو !!!...
ومذهب أحمد في الكلام معروف، وقد نقل الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" عن أبي الحسن المرداوي الحنبلي أنه ذكر في كتابه "تحرير الأصول وتهذيب المنقول": (ونُقل عن بعض العلماء أن مذهب أحمد أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم بصوت يسمع)
وقال ابن حجر في "فتح الباري" في شرح "كتاب التوحيد" - "باب قول الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم" :
(والذي أقول إن غرضه (أي الإمام البخاري) في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء)
فأثبت ابن حجر أن مذهب البخاري أن الله يتكلم متى شاء... وكلام البخاري في هذه المسألة بيّن جلي في "خلق أفعال العباد" له...
وقال ابن حجر أيضا في شرح "كتاب التوحيد" – "باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا"، معددا الأقوال في مسألة الكلام:
(والخامس : أنه كلام الله غير مخلوق ، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء ، نص على ذلك أحمد في كتاب الرد على الجهمية ، وافترق أصحابه فرقتين : منهم من قال هو لازم لذاته والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة ويسمع كلامه من شاء ، وأكثرهم قالوا إنه متكلم بما شاء متى شاء ، وأنه نادى موسى عليه السلام حين كلمه ولم يكن ناداه من قبل)
فهل تريد أن أزيدك، أم أنك رجعت عن قولك أنه لا دليل من كلام السلف والأئمة المتقدمين على أن الله يتكلم متى شاء ؟
وهل اتضح لك الفرق بين الصفة القديمة وآحادها الحادثة ؟
فكون الله موصوف منذ القدم بأنه متكلم لا يعني ذلك أن كلامه كله قديم وإنما الصفة قديمة، ولا ينفي ذلك أنه يتكلم متى شاء... ولم يقل أحد من السلف بأن الكلام كله قديم أو أنه لا يتكلم متى شاء... وكلام البخاري وأحمد، وغيرهم، بيّن في الدلالة على ذلك...
فهل تبين لك الفرق ؟
وهل تبين لك أنك أنت من يأتي بدعاوى لا دليل عليها من القرآن والسنة أو كلام السلف بل تخالف ذلك كله...
سأكتفي بهذا القدر سائلا المولى أن يغفر لي ما كان في كلامي من زلل أو خطأ...


رد مع اقتباس
