جزاك الله خيرا يا أبا الحسن على تصديك لشبه مؤداها صرف الفكر عن النظر في كلام الله للإسترشاد به ، و قطع الطريق على الخلق إلى الله تعالى من خلال تعطيل صفاته العظيمة التي أمرنا أن نتعبده سبحانه بها. وهذه مأثرة و مفخرة لأبي الحسن نسأل الله أن يثيبه عليها بتخليص باطنه لله و إسعاده و إعزازه في هذه الفانية و في الباقية الآتية عن قريب.
غير أن بعض الإخوة هدانا الله و إياهم ممن لم يقدروا هذا التصدي حقه و لم يفهموا منطلقاته و مراميه الكبرى جعلوا يشغبون على أبي الحسن و يذمون تصديه هذا بدلا من أن يتوجهوا بالذم و العتب و اللوم إلى من يتشدق بتشقيقات المتكلمين ليضرب بها ثوابتا و ظواهرا واضحة كالشمس في رابعة النهار! ألا يعلم هؤلاء أن من أهم لوازم هذه الشبه هو الطعن في بيان القرآن و هدايته؟! و تكذيب الله في قوله : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) و في قوله : ( قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين ) ؟!
والحق أن الخلق منقسمون بحسب تعاملهم مع وحي الله إلى قسمين. فقسم يرى أن تفاصيل المعتقدات إنما تدرك بالنظر استقلالا. و قسم يرى أن العقل مجرد أداة لتحليل المعلومات و الحكم على المقدمات و هذا مذهب أهل الحق.
وأما الفريق الأول فيفترقون إلى فرقتين. فرقة ترى أن الحق في خلاف ما أنزل الله و هؤلاء منهم من يقول بأن الرسول يعرف الحق ولكن الوحي عندهم يخاطب الناس بما يعقلون ، و منهم من يقول بأن الرسول لا يعلم الحق و الفيلسوف العارف للحق أكمل منه! و العياذ بالله تعالى .
و فرقة لا تصرح بكون الوحي نازلا بما هو خلاف الحق و لكنها تصرفه عن ظاهره و تقول بأن الحق هو في بواطن تدرك بالعقل استقلالا. ثم هؤلاء منهم من يقول بأن الرسول لا يعلم هذه البواطن فتكون المتكلمة عندهم أعلم من الرسول. ومنهم من يقول بأنه يعلمه و لكن الحكمة تقتضي مخاطبة الناس بما ظاهره الباطل لتقريبه إلى عقولهم !
فهذا افتراق الناس في تنظيرهم للعلاقة ما بين المعقول و المنقول. غير أن ثمة فرقة لا تقيم وزنا للمعقول و لا يعنيها حمل المنقول على الأوجه البعيدة . فهم لا يعتقدون بأن الرسول عارف بالحق المتنازع فيه و لا أن الوحي دال عليه!!! و فيهم من يقول: نحن منهيون عن معرفة العقليات وعن فهم السمعيات وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات ، كما حكى ذلك عنهم شيخ الإسلام و غيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى . و لا يتسع المقام للإفاضة في شرح أوصاف و منطلقات و آثار هذه الفرقة ! و لكن اللبيب من الإشارة يفهم!
و بعد :
نعود إلى النقاش الدائر هنا و في مواضع أخرى حول الفارق ما بين المخلوق و الحادث فأقول مستعينا بالله وحده:
المخلوق هو من له بداية و لا يقوم بالذات الإلهية. فالمسبوق بعدم إما أنه قائم بالذات الإلهية و إما أنه لا يقوم بها. فالأول لا يكون مخلوقا و الثاني مخلوق قولا واحدا. و أما من جعلهما نوعا واحدا فعنده أنه لا يقوم بالذات الإلهية شيء البتة! لأنه يتصور أن هذا مستلزم للتركيب و التبعيض ! و الحق أن هذا محض وهم لأن مقتضيات قيام الأشياء بذات غير مخلوقة ليست كمقتضياتها حين تقوم بذات مخلوقة! فالقوم مصرون على تشبيه المخلوق بالخالق! و لو التزموا أنه لا يلزم من إضافة الشيء إلى الخالق عين ما يلزم من إضافته للمخلوق ، لاندثر الخلاف و لصار القوم إلى طريقة أهل الحق.
فمن استشكل كون الشيء حادثا و غير مخلوق فعنده أن معنى حادث هو المخلوق مطابقة! و ربما علل هذا التطابق بكون القدم من اختصاص الخالق و الحدث من اختصاص المخلوق بزعمه. و الأول صحيح و أما الثاني فمجرد اشتباه مبني على مغالطة في التعريف .
و لو ضبطت التعاريف في مثل هذه المسائل لارتفع جزء كبير من الخلاف فيها. والله أعلم.