قلعة طرابلس حصن عربي الأساس والموقع (3)

في سنة 1970 اكتشفت المديرية العامة للآثار أثناء التنقيب داخل قلعة طرابلس (مشهداً) = "مسجداً" فاطمياً كان مطموراً بالتراب وفيه ضريح فاطمي من الرخام نُقشت عليه آيات قرآنية، وأسماء أئمة الشيعة الإثني عشر.
والمعروف أن الداعية والرحالة الغارسي "ناصر خسرو علوي" زار طرابلس وهو في طريقه إلى مصر في سنة 438هـ/ 1047م ووصف المدينة وصفاً رائعاً، وهي آنذاك طرابلس المينا، وفي نهاية وصفه لها قال إنه لا يوجد خارجها سوى "مشهدين" أو "ثلاثة مشاهد" ويقصد بالمشهد عند الفرس والشيعة عموماً "المسجد" أو المقام الذي يُدفن فيه أحد الائمة.
والمرجّح لدينا أن المسجد الذي عثرت عليه مديرية الآثار داخل القلعة هو واحد من "المشاهد" التي رآها "ناصر خسرو" أو أنه من بناء الأمير "جلال المُلك ابن عمّار" الذي حكم طرابلس (464/492هـ/ 1071/1099م) حيث توجد لوحة بإسمه في "المتحف الوطني" تؤرّخ لبناء مسجد، نُقشت بالخط الكوفي، نصّها: "بسم (الله الرحمن الرحيم)... (هذا ما أنشأه) تقرباً إلى الله ورغبة في ثـ(ـوابه القاضي... جلال) (الملك) أبو الحسين علي بن محمد بن عـ(ـمار.. في سنة)... (وأ)ربع ماية. وجرى عـ(ـلى يدي)...الله".
إن اكتشاف "المشهد =المسجد" الفاطمي في وسط القلعة هو دليل مادي قاطع بأن المسلمين هم أول من بنى فوق هذا الموقع وأسسوا الحصن قبل الإفرنج الصليبيين.

حصن صنجيل
اعتباراً من سنة 492هـ/ 1099م. بدأت طلائع الحملات الصليبية بالوصول إلى طرابلس، وكان الحصن هدفاً لغاراتهم وهجماتهم حتى استولوا عليه.
وكما فعل الصحابي "سفيان الأزدي" حين أتى قبل نيّف وأربعة قرون لحصار طرابلس وفتحها، فبنى حصنه، فعل الأمير التولوزي "ريموند دي سان جيل"، حيث بنى حصنه فوق أطلال حصن سفيان، وحول "المشهد =المسجد" الفاطمي، وكان قد عقد اتفاقاً مع أمير طرابلس "فخر المُلك عمّار بن محمد بن عمّار" أن تكون له المدينة (المينا)، وأن يكون لريموند التلّة عند النهر، على أمل أن يصبح ملكاً على بيت المقدس بعد الاستيلاء عليها. ولما لم يتحقق أمله، وانتخب الفرنج "غودفري دي بويّون" ملكاً عاد "ريموند" إلى ضواحي طرابلس وصمّم على احتلالها لتكون عاصمة لإمارته، ولتحقيق ذلك قام ببناء الحصن، وذلك اعتباراً من سنة 497هـ/1103م. فأبقى على "المشهد" الفاطمي المثمّن الأضلاع، وهو شبيه بمسجد قبة الصخرة في القدس، ولكنه ألغى محرابه وحوّله إلى كنيسة، وصار شبيهاً بكنيسة المهد (Saint Sépuicre) في بيت المقدس، وبنى الحصن من حوله، وأعانه على بنائه الامبراطور البيزنطي "الكسيُوس كومنين" حيث أرسل إليه الميرة والأخشاب والمعدّات اللازمة من جزيرة قبرس. كما نزل اليه نصارى القرى من الموارنة، وخاصة من "بشري" وجبال الجرد، وحضّوه على عمارة الحصن واحتلال طرابلس وساعدوه على ذلك.
ولدينا نصان تاريخيان كتبهما مؤرخ "لبناني" معاصر للحروب الصليبية من بلدة يونين القريبة من مدينة بعلبك، هو "قطب الدين اليونيني" نذكر النص الأطول منهما، وهو ما يلي:
"حُكي لي أن سبب أخذ الفرنج لها بعد الخمسماية أن ابن صنجيل كان من ملوك البحر وله به بلاء، فجرى له أمر أوجب خروجه عن بلاده، فركب البحر ولجّج فيه، وتوقفت عليه الريح بحيث يكاد يهلك ومن معه. ثم رماه الموج إلى ساحل طرابلس فنزل في ساحل طرابلس، فسيّر اليه ابن عمّار يسأله عن سبب نزوله، فعرفه أنه قد هلك من طول المقام في البحر، وأنه نزل يستريح ويتزود ويرحل، وسأل أن يخرج اليه من يبيع ما يحتاجه، فخرج اليه جماعة من أهل البلد، ثم نزل اليه أهل جبّة بشري وهم نصارى فبايعوه وعرّفوه أمر البلد وان رعيته نصارى، وأن متملِّكه متغلِّب ليس من بيت الملك، وحسّنوا له المقام، ووعدوه المساعدة على تملُّكه، فأقام وحضر اليه خلق كثير من نصارى البلاد، وعجز ابن عمّار عن ترحيله، فبنى الحصن المشهور به ظاهر طرابلس، وأقام به واستولى على برّ طرابلس، ولازال مصابراً لها، وكلما مرّ وقت قوي وكثر جمعه، وضعُفَ مَن بطرابلس وابن عمار يطلب النجدة فلا يُنجده أحد..".
(يتبع)