قلعة طرابلس حصن عربي الأساس والموقع(1)
بقلم الدكتور عمر تدمري
تعتبر القلعة أهم آثار طرابلس وأقدمها، وأضخمها على الإطلاق، وهي رابضة على كتف رابية تقوم عند الطرف الغربي من نهر أبو علي، شرقي المدينة القديمة. وتبعد عن ساحل البحر نحو ميلين. وهي ليست صليبية، لا في الموقع، ولا في الأساس، كما يزعم بعض المؤرخين، وكما تقول وزارات الإعلام والثقافة والتربية والسياحة، وكما تدّعي النشرات السياحية، والمقالات الإعلامية في الصحف والمجلات، وفي الأخبار الناطقة والمرئية... بل هي عربية الموقع والأساس. بل إن أغلب عمارتها القائمة الآن هي مملوكية -عثمانية. ومن يقرأ تاريخ طرابلس، ويتتبع مراحل بناء قلعتها سيتبين ما لحق بهذا الصرح الأثري من سياسة تزوير وتشويه وتضليل إعلامي لعشرات السنين بكل الوسائل، حتى في الكتب المدرسية التي قرأناها ونحن في مقاعد الدراسة الابتدائية، حتى وَقَر في ذاكرتنا ووعينا أن قلعتنا هي قلعة "سان جيل" أو قلعة "ريموند دي تولوز" وأن الصليبيين هم الذين بنوها، وقد شمل التزوير وطمس الحقائق أيضاً قلعة جبيل، وقلعة صيدا البحرية، وغيرهما، وكلها حصون عربية في الأساس.
فالقائد الفرنجي "الفرنسي" (الصليبي) ريموند دي سان جيل التولوزي -المعروف في المصادر بـ"الصّنجيلي" لم يكن أول من اختار الموقع الحالي للقلعة ليقيم حصنه عليه في أواخر القرن الخامس الهجري (أوائل القرن الثاني عشر الميلادي)، وبالتحديد في سنة 497هـ/ 1103م، بل سبقه إليه القائد الصحابي سفيان بن مجيب الأزدي، من قبيلة أزد العربية اليمنية، بأكثر من أربعة قرون ونصف القرن، حين أتى لفتح طرابلس في عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه حوالي سنة 24هـ/ 645 م.
وبعملية حسابية بسيطة نجد أن بناء "سفيان" للحصن قد سبق بناء "صنجيل" له بـ 473 سنة هجرية أو 458 سنة ميلادية!
وهنا يسأل الكثيرون: ما الدليل على هذا الكلام؟ وهل ما تعلّمناه في المدارس غير صحيح؟ وهل كتاب التاريخ يزوّر الحقائق؟ إلى ما هناك من تساؤلات كثيرة.
وجواباً على ذلك نقول: إن الذين وضعوا كتب التاريخ المدرسية لأجيالنا لم يرجعوا إلى المصادر الأساسية التي صنّفها ثقاتُ المؤرخين المسلمين والرواة الإخباريين الأوائل، ولم يطّلعوا على المخطوطات القديمة المتفرقة في مكتبات العالم، واكتفوا بالعودة إلى كتابات المؤلفين المتأخرين، وما كتبه المستشرقون، وأخذوا بما لفّقه بعضهم، وعلّمونا أن قلعة طرابلس صليبية، وأن قلعة جبيل صليبية، وأن قلعة صيدا البحرية صليبية، وأن برج الأمير "برسباي" على ساحل طرابلس صليبي، وأنه من بناء "ريموند التولوزي" وأن شعاره كان الأسد، ولهذا سمي برج السباع، وصدقنا هذه الفرية وهذا الإدعاء الكاذب. بل زعم أكثرهم أن جميع أبراج طرابلس الساحلية هي صليبية، وما إلى ذلك من افتراءات وطمس للحقائق، وتزوير للتاريخ.
ولا عجب.. فإن جميعهم -بلا استثناء- لم يطّلعوا على كتاب "فتوح البلدان" للبلاذري، ولا على كتاب "الفتوح" المنسوب لابن أعثم الكوفي، ولا على كتاب الخراج وصناعة الكتابة "لقدامة بن جعفر"، ولا على الكتاب الموسوعي الضخم "تاريخ مدينة دمشق" للمؤرخ والمحدث والحافظ الكبير والعملاق ابن عساكر الدمشقي، وقد بقي هذا الكتاب مخطوطاً، وهو في 80 مجلداً ولم يُطبع إلا قبل 13 عاماً من الآن.
(يتبع)


رد مع اقتباس
