-
رد: قلعة طرابلس حصن عربي الأساس والموقع
قلعة طرابلس: حصن عربي الأساس والموقع (4)
قال المؤرخ "ابن الفوطي" إن الفرنجي ريموند تأنّق في بناء حصنه فجعل بعض سقوفه من الذهب، وشحنه بالأموال والرجال والسلاح. وأقام حوله معسكرات للجند وأسواقاً، واحتفر له الخنادق، وأطلق عليه اسمه فأصبح يعرف بحصن صنجيل.
وفيما كان ريموند بعيداً عن الحصن إذ بفخر الملك ابن عمار يخرج ذات ليلة ومعه ثلاثمائة فارس من عسكره وأهل البلد، وقاموا بهجوم مباغت فأشعلوا النيران ف المعسكرات عند ربض الحصن، واقتحموا الحصن نفسه وقتلوا من به من الفرنج ونهبوه، ثم وأحرقوه، وأخذوا منه السلاح والمال والديباج والفضة وأشياء أخرى كثيرة، وعادوا إلى المدينة غانمين في 19 من شهر ذي الحجة 497هـ/ 1104م.
ولما عاد ريموند من سفرته إلى طرطوس دخل الحصن ليتفقده فصادف أن وقف على بعض سقوفه المذهبة المحترقة ومعه جماعة من العمامصة (الأمراء القادة) والفرسان، فانخسف بهم وأصيب ريموند بجروح وحروق جعلته طريح الفراش مدة عشرة أيام مات بعدها داخل الحصن في الرابع من شهر جمادى الأولى سنة 498هـ/1105م. فحُمل إلى القدس ودُفن هناك. وقيل دفن داخل حصنه. ولم يبق من أبنائه الشرعيين سوى ألفونسوجوردان من زوجته الكونتيسة الفيرا. وبما أنه كان طفلاً صغيراً لم يمض على ولادته في الحصن إلا شهور قليلة، فقد اختار الفرنج وليم جوردان ابن خالة ريموند قائداً لهم، وهو المعروف في المصادر العربية بالسرداني، فأعاد بناء الحصن وترميم ما تهدم منه ومن الربض، وزاد عليه حتى أضحى قريباً من قلعة.
ثم شهد الحصن صراعاً بين وليم جوردان وبرتراند الابن الأكبر غير الشرعي لريموند، وكان وصل من تولوز بفرنسا في 60 مركباً مشحونة بالمقاتلة الفرنسيين والايطاليين من جنوا إلى مياه طرابلس، وانزل قوة من فرسانه إلى البر وقام بمحاصرة جوردان وهو في الحصن، ولكن هذا استطاع الإفلات وخرج إلى طرطوس، وتمكن برتراند من دخول الحصن والاستيلاء عليه وأصبح سيده دون منازع، ثم وصل بلدوين ملك بيت المقدس ومعه 500 فارس إلى الحصن وأعلن تحالفه مع برتراند، واحتاج الفرنج أن يبنوا الأرباض والمعسكرات والأسواق، وهي القياسر والخانات المغلقة لتستوعب نزول الجموع الكثيرة من الجند القادمين من أنحاء أوربة ومن الإمارات الصليبية في الشرق، حيث اجتمع عند طرابلس أربعة آلاف فارس بروفنسي وصلوا مع برتراند إلى جانب عدد غير معروف من الجنوية الذين أتوا معه في عشرين سفينة، إلى سفنه الأربعين، ويمكن تقدير جنوده بألفي رجل و500 فارس أتى بهم بلدوين من القدس، ومعهم جمع كبير من الرجالة و700 فارس من فرسان تانكرد قدموا من إمارة انطاكية، وغيرهم أتوا مع أمير الرُها، ومع أمير قلعة تل باشر، بالإضافة إلى حراسهما، واجتمعوا كلهم في الحصن وحوله، حتى أطلق على الحصن اسم "تلة الحجاج" على اعتبار أن الفرنج أتوا من أوروبة إلى الشرق بهدف الحج إلى الأماكن المقدسة في فلسطين. وهكذا نشأ على ضفة النهر الغربية في المحلة المعروفة الآن بتحت السباط، وباب الحديد، وفي الربض الواقع عند السفح الغربي للقلعة وهو المحلة المعروفة الآن بالمهاترة، وصولاً إلى محلة التربيعة، وبذلك نشأ الحي اللاتيني، وهو يؤيد قول "متى الرهاوي" من أن محيط الحصن صار مدينة مأهولة.
وما إن سقطت طرابلس بيد الفرنج آخر سنة 502هـ/ تموز 1109م حتى اتخذوا من الحصن شعاراً صكوه على وجه من نقودهم التي ضربوها في إمارة طرابلس اللاتينية.
وفي النصف الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي كتب الشريف الادريسي عن الحصن في كتابه العظيم الذي رسم فيه خارطة العالم في عصره وقدمه لـ"روجر" ملك جزيرة صقلية، وهو بعنوان "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" فقال: ..في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الافرنجي، ومنه افتتح أطرابلس، وبينهما أربعة أميال، وهو حصن منيع جداً وهو بين واديين.
وقد اتخذ أمراء طرابلس الفرنج من الحصن مقر إقامتهم وسكناهم، وعنه تصدر الأوامر وإدارة شؤون الإمارة، وفيه دار ضرب النقود التي تحمل صوراً للحصن، ومن هنا انتشر اسمه إعلامياً، ونسي الناس حصن سفيان المؤسس الأول، فكان علينا واجب إحياء هذا الأمر وإعادة اسمه إلى ذاكرة أبناء هذه المدينة، وكتابة التاريخ ليست اجتراراً وإنما هي رسالة نأمل أن نؤديها بأمانة.
(يتبع)
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى