قلعة طرابلس: حصن عربي الساس والموقع(12))

بعد مقتل "مصطفى القصاب"، جمع "بازبوز: شرذمة من أعوانه بهدف الانتقام لصاحبه واستولوا على القلعة وتحصنوا بها، وأرهبوا الناس، فنهبوا بيوتهم ومتاجرهم واستباحوها، ونشروا الخوف والرعب في أرجاء المدينة، ونصبوا المتاريس عند مداخلها ليمنعوا الباشا من دخولها، وراحوا يقذفون الحجارة من القلعة نحو عسكره المتقدم من الشمال نحو محلّة باب التبانة، فارتاع الأهالي لخطورة الأمر، واصبحوا بين شقّي الرحى، فاعتصموا في بيوتهم ثلاثة أيام لا يخرجون منها. حتى تمكن جماعة من أهل العلم والصلاح أن يخرجوا من المدينة سراً، واجتمعوا بالباشا، وعرضوا عليه الأمر الخطير الذي يعاني منه الأهالي، وطلبوا منه إنهاء الأمر، فاستجاب لرغبتهم ودخل المدينة بعسكره، ففرّ من العُصاة، وألقي القبض على "بازبوز" وبعض اعوانه، واستُرجعت القلعة من أيديهم، وصدرت الأوامر بتعقّب الفارين، واخذ الباشا من سكان كل محلة من محلات طرابلس تعهداً بعدم إيواء أحد من العصاة الأشقياء، ويُطلق عليهم "الزُرْب"، وإذا ثبت خلاف ذلك فإن كل محلة تتحمل مسؤولية هدر دم خمسة أنفار من سكانها، فضلاً عن دفع مبلغ 2500 قرش لصالح المطبخ السلطاني. وقد شمل هذا التعهد الجُند المرابطين في القلعة وقائدهم في تلك السنة "أحمد باشا".
وفي إحصاء سنة 1186هـ/ 1772م انخفض رجال القلعة إلى 43 نفراً بما فيهم الدزدار "أحمد آغا" ومؤذن الجامع بها.
وفي وثيقة كُتبت سنة 1208هـ/ 1793م كان في القلعة (12) إثنا عشر نفراً، يضاف اليهم: قائدها، وكاتب الأوجاق بها. ولكن هذا الرقم ليس هو الرقم الحقيقي، إذ نصّت الوثيقة المؤرخة في غرّة شهر ذي القعدة على أن هناك عشرين نفراً كانوا غائبين أثناء إجراء الإحصاء في بلاد الحجاز لتأدية فريضة الحج، وغيرهم من أنفار القلعة والأبراج الحربية التي على ساحل البحر، فضلاً عن بعض الأنفار العاجزين غير الذين جرى تعدادهم.
وكان تأمين الزاد والعلايف لجنود قلعة طرابلس مقرراً على مدينة حماة بموجب أمرٍ عالٍ من السلطان. أما الأنفار فكانوا يُعينون لقاء إقطاعات يمنحها السلطان، أو والي المدينة، او دزْدار القلعة. ويُعرف الإقطاع الممنوح بموجب براءة سلطانية بـ"تيمار بتذكرة" والممنوح من الوالي بـ"تيمار بدون تذكرة" والذي يعينه الدَّزْدار يعتبر تيماره "عَرَض" أي غير ثابت. وهم يتناولون مرتباتهم بـ"الأقجة" وهي الوحدة للعملة العثمانية.
***
ومع بداية ولاية "مصطفى آغا بربر" لطرابلس اعتباراً من سنة 1213هـ/ 1798م. يدخل تاريخ القلعة في مرحلة جديدة حافلة بالأحداث.
( يتبع)