تابع زيارة رحّالة نمساوي للقلعة
...أمام الجامع فإنه مع كونه صغير المساحة من الداخل، لكنه على جانب عظيم من الجمال، لا سيما أبوابه ومحرابه المزدانة بأشغال الفسيفساء. وكان في المحراب بين الفسيفساء قطعتا رخام معرّقتان بلون أخضر طبيعي وهما قديمتان جداً، تبتهج بمرآهما العين.
وكان على سطح القلعة ستة مدافع من الحديد والبرونز طولها فوق المعتاد، وهي منصوبة على دكّات، وكانت هذه المدافع نظيفة جداً. والحاكم ينام في خيمة مضروبة له على السطح الذي يشرف على ما حوله من البساتين والبلد والبحر. والقلعة نفسها مبنية على هضبة مرتفعة مشرفة على ما حولها. وكان عند بربر غزالان مدجّنان يتجولان في فناء القلعة بحرية تامة.
والحاكم المذكور مغرم بتشييد الأبنية، إلا أنه حين زيارتنا لم يكن قد أكمل العمل بالقلعة لأنه كان يبني فيها من جهة ويهدم من جهة أخرى، فكان الهدم والبناء فيها عملين مستمرين، وكان بربر قد سبق أن هدم سراية الباشا ونقل حجارتها إلى القلعة.
وكان بربر قبل زيارتنا بسنتين في عكا عند "الجزار" الذي كان عازماً على قطع رأسه لو لم يهرب ليلاً قبل الوقت المعين لذلك بساعات معدودة".
وحدث في سنة 1221هـ/ 1806م أن تولى على دمشق "يوسف باشا الكنج" الذي هزم قوات "الجزار" في ميناء طرابلس -كما مرّ- فأرسل إلى "بربر" ليمثُلَ أمامه في دمشق ويقدّم خضوعه بين يديه، فامتنع، وكان ذلك كافياً لأن يحقد "الكنج" عليه، واغتنم خصوم "بربر" الفرصة وعلى رأسهم "علي بك الأسعد المرعبي" وأبناء عمه من إقطاعيي عكار-وكانوا ينازعون بربر على حكم طرابلس- فحرّضوا والي دمشق الوزير "الكنج" على محاربته وإخراجه من المدينة. وفي المقابل خرج من طرابلس أحد أعيانها ويُدعى "المُلا اسماعيل" مع جماعة من أصحاب بربر لمقابلة "الكنج" والتوسط معه في الصلح، وعملوا على أن يُثنوا عزمه على مهاجمته "لأن قلعة مدينة طرابلس محصّنة للغاية، ومملوّة من الذخاير ما ينوف عن الكفاية، ومصونة بالأسوار العوالي، والمدافع الثقال، وتمليكها يُرى أنه نوع من المحال". فاقتنع "الكنج" بقولهم، واكتفى بطلب ثمانمائة كيس من المال لرفع الحصار.
ولكن بني المرعبي واصلوا تحريض "الكنج" ضد "بربر" فخرج معهم في أول شهر آب سنة 1222هـ/ 1808م، وحين وصل إلى بلدة المنية أرسل يطلب منه تسليم القلعة والخروج منها، على أن يبقى "متسلماً" على المدينة فقط.
وكان "بربر" يعرف أنه متى خرج من القلعة فلن تبقى المدينة بيده، ولذلك رفض عرض "الكنج" بقوله: وإنما القلعة لا يمكنّي أن أسلمها ولا أخرج منها لأن بها حافظ حياتي".
وتآمر "الكنج" مع اثنين من أنفار القلعة هما "أحمد آغا الحجّة" وأخوه -وكانا من أقرب الأصدقاء لبربر- ليقتلاه ويتسلما القلعة مكانه، وعندما أقترب من طرابلس طلب منهما أن يحزما أمرهما ويقتلاه...
(يتبع)


رد مع اقتباس
