قلعة طرابلس حصن عربيّ الأساس والموقع 17

...أطْلع "أحمد آغا الحجّة" وأخوه صديقهما " مصطفى زهرة" المعروف بأبي ديّة على سّرهما، واتفق الثلاثة على الغدر بـ" بربر" وقبل أن يتسنى لهم تنفيذ مؤامراتهم وقع الشقاق بينهم وتنافروا، فأفشى "مصطفى زهرة" الأمر، فقام" بربر" بقتل الأخوين "الحّجة "وسجن "ابن زهرة" وأخرج جميع الأنفار الذين كانوا في القلعة من المسلمين، وأتى بجماعة من أهالي البرّ والفلّاحين النصارى وشحن بهم القلعة، ولهذا نجد حتى الآن في مواضع متفرّقة داخل القلعة نحو عشرة قبور للنصارى كُتب عليها بالخط الكرشوني أسماء أصحابها وتواريخ وفَيَاتهم. ثم استقدم "بربر" في البحر خمسمائة نفر من الأرنؤوط من مصر، وعيّن لهم الرواتب واسكنهم في المباني المجاورة للقلعة وخارجها، بعد أن أخلاها ساكنوها هرباً من سوء العاقبة والحرب التي ستحاصرهم من كل جانب.
تقدّم "الكنج" بعساكره لمهاجمة القلعة، فتصدى له الأرنؤوط من حولها ، وبعد موقعة عنيفة تمكن من قتل جماعة منهم واستسلم الباقون، واحاطت قواّته بالقلعة وشدد الحصار عليها ليل نهار، ولكنه لم يتمكّن من اقتحامها، واضطر أن يطلب المساعدة من والي صيدا " سليمان باشا العادل" فأرسل إليه جماعة من الخبراء في الالغام (لغمجّية) فعملوا له ألغاماً لفتح ثغرة في الأسواق فاصطدم أول لغم بالصخر الذي تقوم عليه القلعة، فذهب هباءً، ووقع اللغم الثاني في الماء فبطل عمله ،وفي أثناء التحضير لزرع اللغم الثالث، فتح "بربر" الماء فغمرته وعطّلته، وإزاء هذا الفشل الذريع ارتّّد اللّغامة إلى بلادهم خائبين، وبقيت القلعة صامدة . وعند ذلك عرض القنصل الفرنسي المقيم في طرابلس " غييس" guys على الوزير "الكنج" تقديم خبراء له بسلاح المدفعية لضرب أسوار القلعة، وتعهّد بهدمها في غضون وقت قصير وأتى بضابط فرنسي ، وأرسل الوزير فأحضر مدافع عظيمة من جزيرة أرواد، وبنى لها المتاريس، وحمل الرمال بيديه ليشجّع عسكره على العمل بسرعة ونشاط، وأقيم تلّ رمليّ عالٍ، وضع فوقه المدافع ، وابتدأ الضرب على القلعة، فلم يؤثّر في أسوارها.
وكان لدى "بربر" خبير بالمدفعية ، فأخذ يقصف بمدفعية القلعة على التلّة فهدم قسماً منها،.وعطّل أحد المدافع الكبار،.وعاد عسكر الوزير فأقاموا متاريس جديدة، وعاد الضرب المتبادل من الطرفين، وحاول عسكر الوزير أن يتقدّم نحو " باب السرّ" للقلعة تحت غطاء من قذائف المدفعية، ولكن المدافعين عن القلعة قذفوهم بالمدافع والبُندق(الرصاص) وقتلوا قائد العسكر " درويش علي" وعدداً موفوراً من رجاله.
وأمام فشل جميع المحاولات لاقتحام القلعة أشار "علي بك الأسعد المرعبي."على الوزير "الكنج" أن ينقل المدافع من البلد إلى محلّة "قبة النصر" العالية المشرفة على القلعة من الجهة الشمالية الشرقية، فنقلها وأقام هناك متاريس ضخمة، ولكنّ مدفعية القلعة تمكّنت من إصابتها إصابة مباشرة أدّت إلى مقتل اثنين من ضباط عسكر الوزير (يتبع)