السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
معظم الناس يقولون أن الحب قبل الزواج غير موجود و لكن حديث الرسول صلى الله عليه و سلم " لم يرى للمتحابين مثل النكاح " يثبت غير ذلك
فتساؤلاتي شيخنا الفاضل هي : ما مفهوم الإسلام للحب ؟ و هل يمكن للشاب الملتزم أن يقع فيه ؟ و في حال وقع فيه ماهي ضوابط هذا الحب ؟ و ما العمل إن كان شابا غير قادر على الزواج لصغر سنه و ضعف قدرته المالية ؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الأخ الكريم السائل عن الحب قبل الزواج.
في البداية أحب أن أبيّن لك أن حديث (لم أرى للمتحابين مثل النكاح) هو حديث مختلف فيه رغم رواية أبي يعلى له و ابن ماجه و البيهقي. فقد ضعفه البيهقي و قال بأنه مرسل و هو من المتقدمين، كما ضعفه الشيخ القناص و هو من المتأخرين غير ان الشيخ الالباني قال: يصح بمجموع طرقه، و كذلك قال الحاكم.
واعلم أخي الكريم أن الحب فطرة ربانية فطر الله الناس عليها ذكورا وإناثا، وجعل ميل الذكر للأنثى وكذلك ميل الأنثى للذكر، كي تستمر عجلة الحياة ويبقى التناسل ويخلف اللاحق السابق، الأب الجد والإبن الأب وهكذا، ويعمر الكون بذكر الله من خلال إنجاب الذرية الصالحة وتكوين الأسرة المؤمنة. وإذا لم يعد هناك ذرية صالحة في الأرض فإن الله تعالى يأذن بقيام الساعة وإنهاء الحياة البشرية. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) رواه مسلم.
والحب كلمة جميلة وعظيمة المعنى وقد وردت مشتقات كلمة الحب عشرات المرات في القرآن الكريم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: 54)
وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: 222)
وقال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146)
وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159)
والحب أنواع كثيرة أعظمها حب المخلوق لخالقه سبحانه وتعالى وحب المسلم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل. وأنت تسأل عن حب واحد هو حب الشاب لفتاة يريد خطبتها.
والمؤسف أن معنى هذا الحب، والذي يجب أن يعطى حقه من الإهتمام والمصداقية، قد مسخ إلى أساطير خيالية كحب (قيس وليلى) و (روميو وجولييت) وأشباهها من القصص التي تجعل الإنسان يعيش في الخيال ويسبح فيما لا قدرة له عليه.
فبدل أن يكون الحب نعمة يصبح نقمة؛ تسلل تحت جنح الظلام، لقاءات محرمة، ملاحقة من مكان إلى آخر، حتى أصبح أشبه بالقصص البوليسية منه بالواقع! وغالبا ما تكون نهاية هذا الحب هو الفشل الذريع والبكاء على الأطلال.
بينما الحب في الإسلام مبني على الرحمة والمودة. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21) وغالبا ما يثمر هذا الحب ويؤتي أكله بإذن ربه أسرة كريمة قوامها زوج محب صادق يريد العفاف ولا يبحث عن مغامرات وإنما يعمل في تفان لإسعاد زوجته وأولاده، وزوجة محبة مطيعة تعمل كل ما في وسعها لطاعة ربها ثم إسعاد زوجها وتربية أبنائها التربية الإسلامية التي تجعل منهم رجالا ونساء يشار إليهم بالبنان، يبنون ويعمرون ويربون الأجيال الصالحة التي هي قوام الأمة.
أما سؤالك عن ضوابط الحب بالنسبة للشاب الملتزم، فقد سبق أن بيّنا ذلك في فتاوى سابقة فارجع إليها.
أما سؤالك ما العمل إذا كان الشاب غير قادر على الزواج لصغر سنه وضعف قدراته المالية ؟
نذكر هذا الأخ الكريم بالمثل العربي القائل: (تزبزب قبل أن يتحصرم) وهذا يقال للذي يخالف ما هو معهود من التدرج في الوصول إلى الغاية. فلا يمكن للعنب كي يصبح زبيبا إلا أن يمر بمراحل منها: أن يصبح حصرما بعد أن يكون زهرا ثم بعد ذلك يتحول الحامض في الحصرم إلى حلاوة بعد أن ينضج ثم يصبح حلوا كاملا بعد اكتمال نضجه ثم يبدأ بعد ذلك مرحلة دخوله لكي يصبح زبيبا صالحا للإدخار. ولو حاولت اختصار المراحل لم تصل إلى النتيجة المرجوة.
لذلك ننصح الأخ ومن في حكمه عدم حمل ما لا يقدر على حمله. لأن هذه الفتاة التي همت بها سوف لن تنتظرك بل ستستبدلك بأول خاطب مناسب يطرق بابها. لا لأنها جاحدة أو كانت تمثل عليك أنها تحبك، بل لأن ضغوط أهلها وكذلك الواقع المعاش سيقول لها إن عصفورا باليد خير من عشرة على الشجرة. وسوف تجد هذا كلاما منطقيا ومقنعا وتتزوج القادم الذي يملك القدرة من ناحية السن وكذلك الإمكانيات المادية. وعند ذلك سوف تعض أصابع الندم على ما ضيعت من أوقات وعلى حب ذهب أدراج الرياح. هذا إذا لم تصب بالصدمة فلا تقدم على تجربة جديدة مخافة الفشل.
لذلك ننصح الأخ الكريم ومن في سنه بالإهتمام بدراسته وتحصيله العلمي والتزود بالثقافة الإسلامية وأن يملأ فراغه بقراءة القرآن والعلوم النافعة.
فإذا أكمل الدراسة وبدأ العمل والإنتاج، فسوف يجد الكثيرات من الفتيات ممن يتمنين أن يفزن به زوجا عزيزا كريما إن شاء الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المفتي الشيخ الدكتور أحمد عبيد حفظه الله