الدكتور عمر تدمريثم أن الكنج يوسف باشا والي الشام خرج سنة 1808 بجيش وفير إلى بلاد صافيتا لتأديب النُصيرية وقصاصهم على قتلهم الأمير مصطفى اليزيدي، وما فعلوا من الفساد بالأرض، وهجم الجيش عليهم، فسلبت أموالهم وقتلتهم واحتلت برج صافيتا وهدموه، ودام هذا الحال شهرين، وغُرمت النُصيرية ستمية كيس.
ثم أن الكنج نهض بشهر آب 1808 قاصداً لطرابلس، فلما وصل الكنج إلى المنية أرسل لبربر أن يسلم القلعة وأن يقدم الطاعة، وأعلمه أن معه فرماناً سلطانياً يأمر بالانتقام منه، فردّ بربر عليه بأنه طايع لله والسلطان وليس له اعتراض على الوزير، وأنه يسلّم طرابلس لمن شاء، أما القلعة فلا يستطيع تسليمها.
وكان عند بربر في القلعة أحمد آغا الحجّي وأخوه، فأرسل إليهم الكنج سراً يطلب منهم أن يقتلوا بربر، فتعهّدوا له بذلك، فخرج من الشام على ذلك المرام.
ثم عزم الكنج على العودة على طرابلس، فأرسل لهم مكتوبات سراً يطلب الإسراع بقتل بربر، فأظهروا مصطفى أبو ديّة على ما يعزمون عليه، فلما تحقق له المقال أرسل في الحال وقبض على المذكورين وقطع روس الاثنين، ووضع مصطفى زهرة بالسجن، ثم استقدم خمسمية نفر من الأرناؤوط من مصر، فعيّنهم وأسكنهم بالعماير خارج القلعة.
ولما علم أهل طرابلس بقدوم الكنج رحلت بعيالها وبما أمكنهم حمله إلى خارج البلد، وهربوا إلى الجبال والآكام وبيروت ودمشق، فلما وصل الكنج جعل مقامه بالبداوي، ونهب العسكر الأثاث والتحف من أهل طرابلس، وأخذ العسكر أموالاً لا تحصى، لأن أهل طرابلس وضعت أموالها وأغراضها بالخانات مؤمّلين أن الكنج لا يسمح للعسكر بأن يأخذ منها شيئاً، ثم دبّت الحرب فقُتل من عسكر الوزير خلق كثير، وقاتلت الأرناؤوط قتالاً شديداً.
وبقي الكنج محاصراً القلعة الليل والنهار، وطلب يوسف باشا من سليمان باشا لغومجية (لغّامين) ليعملوا لغُومة (ألغاماً)، فعملوا لغومة، ولم تنفع اللغومة لأن اللغم الأول طلع فيه صخرة، ثم حفروا لغماً آخر فطلع محله ماء، وأما الثالث فشافهم بربر، فدلق على اللغم ميّة من فوق القلعة فبطلت اللغومية، وهرب اللغمجية لعكا.
ثم جاء قنصل فرنساوي وتعهد بأن يحضر طُبْجية (مدفعية) يهدموا القلعة، فحضر طُبْجي فرنساوي ومعه مدفع كبير من أرواد، وعملوا متاريس كبيرة، وصار الكنج ينقل التراب بنفسه، وعملوا تلاًّ عالياً وحطّوا المدفع فوقه وصاروا يضربوا علقلعة (على القلعة) فلم يؤذوها.
وكان بالقلعة عند بربر طُبجي شاطر بعمله، فضرب بالمدفع والبندق على المحاصرين، فهدم من المتاريس، وخرّب المدفع الكبير. ثم عملوا متاريس مرة ثانية فضربهم بربر وقتل خلقاً كثيراً، منهم درويش علي داليباش راس عسكر الوزير، ثم عمل الوزير متاريس عظام بالقُبّة، ووضعوا فوقها مدافع عظام، فهدمها عليهم بربر، وقتل درويش علي داليباش، فندم الوزير على هذه الورطة، وعلم أنه لن يفتح هذه القلعة. ثم نقل المدفع إلى تل الرمل(1) نحو المينا، وضرب على القلعة فهدم ثلاثة أبراج من الخارج، ووقع الأمل في تملّكها، ثم تضايق الكنج من طول المقام فعين على طرابلس علي باشا الأسعد وأمره بالقيام بالحصار.
وفي ذلك الوقت وقع حيط من حيطان القلعة فزداد (فازداد) الكنج بأنه سيفتح القلعة، وعاد ينصب آلات الحرب. ولما طال الأمر على بربر أرسل رسولاً بالسر إلى سليمان باشا العادل يستجير به، فأرسل سليمان باشا الساري علي داليباش وأمره بأن يركب بميتين (بمئتين) إلى طرابلس، ويُنهي الخلاف. وتم الاتفاق بأن يخرج بربر بمتاعه وماله ويسير إلى عكا بالبحر، وأن يأمن على حياته، وخرج المحاصرون، وكانوا ألفين، بما فيهم النساء والحريم، وتسلّم علي باشا الأسعد القلعة.
ووصل بربر إلى صيدا أبقا (فأبقى) أهله بها، وسار إلى عكا لعند سليمان باشا، فطيّب خاطره وأكرمه أيّما إكرام، ودام هذا الحصار خمسة أشهر كاملة.