[justify]الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون , و بِعَدله ضل الضالون , لا يسأل عما يفعل و هم يسألون و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و سبحان الله رب العرش عما يصفون , و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و خليله الصادق المأمون , صلى الله عليه و على آله و أصحابه الذين هم بدينه قائمون , و على سنته يحافظون و بعد
فإن من أعظم فرائض الدين التذكير بآيات الله و أيامه في خلقه , و التحدث بنعمه و التحذير من أسباب نقمه , لما في ذلك من أسباب حصول الخير الكثير و السلامة من حلول العقوبات .
قال تعالى : < فذكر بالقرآن من يخاف وعيد > . و قال تعالى : < و أما بنعمة ربك فحدث > . و قال تعالى : < و ذكرهم بأيام الله > .
و أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده : بعثة عبده و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق , و هما العلم النافع , و العمل الصالح , و أصل ذلك و أساسه : عبادة الله وحده لا شريك له , و ترك عبادة ما سواه .
فأشرقت ببعثته قلوب من استجابوا له بعد ظلامها , و خشعت و لانت بعد قسوتها , و نالوا بذلك من القوة بعد الضعف , و العز بعد الذل , و العلم بعد الجهل , فافتتحوا به البلاد و قلوب العباد , و علت بذلك كلمة الله , و صارت كلمة الكفر إلى السَّفال و الفشل و الإذلال , و عزل سلطان الجاهلية و الإشراك فلله الحمد على ذلك .
إلا أن إبليس – أعاذنا الله منه – لشدة عداوته لبني الإنسان , و عظيم تغلغله بالكفر و الطغيان , و مزيد جدّه في الصدف عن طاعة الرحمن , و إن كان قد صدر منه ما صدر من اليأس , لم يدع الجدّ في إطفاء هذا النور , و التنفير عن الحق , و الترغيب في أنواع الكفر و الإلحاد و الفجور .
و الدعوة إلى البدع , و الإكثار من الأزِّ إلى المعاصي و الشرور , وبث الشبه و الشهوات , و ألوان المغريات على أيدي حزبه , و من استجابوا له من شياطين الإنس , و من أنواع الخدع بزينة الدنيا و زخاريفها الفتانة , و ضروب الشهوات , و شتى أسباب الصدّ عن ذكر الله و عن الصلاة من أجناس الملاهي , و صنوف المسكرات , حتى ثقل على القلوب سماع القرآن , و حصل التهاون بوعيده , و عدم الإهتمام بزواجره و تهديده , و لا سيما بعد ما انصرمت أيام القرون المفضلة , فإنه قد اشتد الخطب , و انفتح باب الشر على مصراعيه و لم يزل في مزيد .
و إن كان ربنا تبارك و تعالى قد منّ ببقاء أصل هذا النور و تأييد هذا الحق بما أجراه على أيدي علماء الصدق ورثة الرسل من تجديد هذا الدين و إقامة حجج الله على عباده , و مع ذلك فالأمر على ما وَصَفتُهُ من تأثير مساعي إبليس و جنوده على الأكثر حتى اشتدت الكربة , و صار الدين في غاية الغربة .
و لا سيما في أزماننا هذه , التي صار فيها عند الأكثر المعروف منكراً و المنكر معروفاً , و السنة بدعة و البدعة سنة , ربا على ذلك الصغير و هرم عليه الكبير , و طغى طوفان المادة , و أخفى غبار الشهوات و الشبهات وضوح الجادة , و فشا الجهل . و أصبحت القلوب إن لم تمت في غاية من أنواع الأمراض , مرض الجهل , و مرض الشهوة , و مرض الشبهة حتى استولت عليها القسوة , فإنا لله و إنا إليه راجعون . فيالها من أمراض ما أصعبها , مع الإعراض عن الأدوية المحمدية , و ما أسهلها و ما أخفها و ما أسرع برؤها متى عولجت بالدواء الذي بعث الله به طبيب القلوب الأكبر محمد صلى الله عليه و سلم و قد سمى النبي صلى الله عليه و سلم الجهل مرضاً لما ينشأ عنه من عمى القلوب الذي هو المرض . و فيما بعث به صلى الله عليه و سلم من الكتاب و السنة لهذه الأمراض أنجع دواء و أنفع شفاء . قال تعالى : < ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين > . و قال تعالى : < و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارا > .
فهلم إخواني : نداوي هذه الأمراض , بأدوية كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم بتدبر أوامرهما و نواهيهما , و وعدهما و وعيدهما و زواجرهما , و مذاكرة بعضنا مع بعض , و قيامنا لله مثنى و فرادى لنتذكر و نتفكر و نتناصح و نتآمر بالمعروف و نتناهى عن المنكر , و نحب في الله و نبغض في الله و نوالي في الله و نعادي في الله , و نتعاون على البر و التقوى .
و نبحث في أدوية تلك الأمراض التي تحصيلها من أسهل شيء عندما تحصل القلوب على الصدق في طلب هذا الدواء , و الإقبال على الله في التماس السلامة من تلك الأدواء قال تعالى : < قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى و فرادى ثم تتفكروا > .
هلم إخواني نشخص سائر أمراض قلوبنا و نشخص أدويتها , و نجاهد نفوسنا على معالجتها من تلك الأمراض المهلكة , و يحض بعضنا بعضاً , و يحذر كل منا نفسه و أخاه من وبيل أخذ الله و شديد عقابه الدنيوي و الأخروي .
قال تعالى : < إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم و إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له و ما لهم من دونه من وال > .
و السلام . [/justify]