أولاً: مع الجماد:
بدأت علاقة الإنسان بالجماد من أوَّل نزول سيدنا آدم - عليه السلام - إلى الأرض، سواء كانت هذه الجمادات من الأرض كالجبال والأنهار، أو من خارج الأرض كالشمس والقمر والنجوم، أو ظواهر طبيعية كالرياح والرعد والبرق.
والجمادات المحيطة بنا والمؤثِّرة فينا أغلبها عن بُعد، مثل الشمس والقمر والنجوم، وكلها مسبِّحات وساجدات، حتى الظواهر الطبيعية المسخَّرة علاقتها بنا غير مباشرة، وفي حالات محدودة كانت لها علاقات مباشرة؛ كما في قصة سيدنا سليمان - عليه السلام - الذي كانت له الريح تجري بأمره، وكلها أيضًا مسبحات.
أمَّا الأرض وما عليها - وخصوصًا الجبال - فعلاقتها وتأثيرها فينا مباشر وعن قرب، قال - تعالى -: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 32، 33].
ولأن الجبال خُلِقت من تراب الأرض، ونحن - بني البشر - خُلِقنا من تراب الأرض، معنى ذلك أن أصلنا واحد، وهذا الكلام ينسحب أيضًا على النبات والحيوان؛ لأنها جميعًا تشترك معنا في أصل التكوين (التراب)، قال أحد الشعراء:
أُمُّنَا الأَرْضُ أَنْبَتَتْنَا جَمِيعًا * لَيْسَ مِنَّا مَنْ يَنْتَمِي لِلسَّمَاءِ
والمعروف أن كلَّ شيءٍ يعود إلى أصله، إن عاجلاً أو آجلاً، فالجبال في النهاية تعود إلى أصلها؛ التراب: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} [طه: 105، 106].
ويعود النبات إلى أصله عند نهايته: {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45]، وتعود الحيوانات إلى أصلها؛ تكون ترابًا.
ويتمنَّى الإنسان الكافر يوم القيامة لو أنه عاد إلى أصله: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40].
إذًا هي علاقة مرحلية بين الإنسان والمخلوقات المحيطة به من جماد ونبات وحيوان، تبدأ مع الإنسان في بدايته، وتنتهي معه في نهايته، سواء عند الموت أو يوم القيامة، وهي ليست كعلاقة الإنسان مع الملائكة؛ لأنها بدأت منذ الأزل، وتستمرُّ إلى الأبد.
وحينما تكلَّم الله - سبحانه - عن العلماء الذين يخشون الله، لم يغفل علماء طبقات الأرض (علماء الجماد)؛ بل تعرَّض لعلم الجماد بتفصيلٍ لم يتناول به بقية العلوم المذكورة في هذه الآية بالذات، يقول - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27، 28].
فهذه الآيات تتكلَّم عن الكثير من العلوم في إيجاز تامٍّ:
عن علم النبات: {ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا}.
وعن علم الأجناس كلمة واحدة: {وَمِنَ النَّاسِ}.
ثم عن علم الحشرات: {وَالدَّوَابِّ}.
ثم علم الحيوان: {وَالأَنْعَامِ}.
إلاَّ أنه تكلَّم عن الجماد أو علم الجماد بتفصيل، وبالذات عن الجبال: {وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}، وأيضًا قال - تعالى -: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74].
وفي الكلام عن الجماد يكون التركيز على الجبال؛ لأنها دائمًا محط الأنظار عند التفكُّر: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} [الغاشية: 19]؛ كرمزٍ لكلِّ الجمادات من ناحية، ثم لتلك الصلة الوثيقة بيننا وبينها على مدار التاريخ.
فقد رُوِي أن نزول أُمِّنا حواء إلى الأرض كان عند جبل عرفات، أو التقتْ بسيدنا آدم - عليه السلام - فوقه، أو انتظرتْه هناك.
وبعد ذلك بزمانٍ لا يعلمه إلا الله، كان طوفان نوح - عليه السلام - وعندما أخذ سيدنا نوح - عليه السلام - المؤمنين معه في السفينة، انشقَّ عنه ابنُه الضالُّ، ورفض أن يأوي إلى حيث أمر الله وقال: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43]، ثم بعد أن قضى الله أمرًا كان مفعولاً، وبلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، رسَت السفينة فوق جبل الجودي، وحتى أمواج الطوفان كانت كالجبال.
وفي قصة ثمود قوم سيدنا صالح - عليه السلام - كانت حياتهم في بيوتٍ فوق الجبال منحوتة، وعندما عقروا ناقة الله وكان معها وليدها، جرى الوليد واحتمى بجبل ودخل فيه لاجئًا إلى الجبل من بطش الإنسان، كما أن أصحاب الحِجْر كانوا يلجؤون إلى الجبال؛ خوفًا من ظواهر الطبيعة: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82].
ثم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - في مناظرته مع قومه الذين يعبدون الأصنام، استدرجهم من مرحلة إلى مرحلة، فلمَّا رأى كوكبًا قال: هذا ربي، ثم لما رأى القمر قال: هذا ربي، ثم لما طلعت الشمس بازغة، وفي كل مرة يفنِّد الرأي بقوله: {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76]؛ ليثبت لهم ضلال فكرهم في عبادة الأوثان.
وهذا دليلٌ على أن سيدنا إبراهيم وجَد العلاقة بين قومه وبين هذه الجمادات قد أخَذتْ أكثر مما ينبغي، وتشكَّلت بصورة مرفوضة إلى علاقة إجلال، وتحوَّلت إلى علاقة تعبُّدية، أراد سيدنا إبراهيم أن يعيد العلاقة إلى إطارها الصحيح.
وعندما أراد سيدنا إبراهيم أن يطمئن قلبه بقدرة الله المطلقة في إحياء الموتى، قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [البقرة: 260]، كانت طمأنينته أن يقطع الطيور الأربعة إلى أربعة أجزاء، ثم يضع على كلِّ جبل منها جزءًا، ثم بقية القصة.
وسيدنا موسى - عليه السلام - كانت له علاقات فريدة مع الجمادات، سواء كانت العصا، أو البحر، أو الصخر، وكذلك مع الجبل؛ ففي رحلة العودة بأهله من أرض مدين إلى أرض مصر وجد هدايته تطلُّ عليه من فوق جبل الطور: {إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه: 10].
ثم في رحلته التالية عند خروجه من مصر بقومه هربًا من بطش فرعون، ذهب لميقات ربِّه إلى الجبل نفسه (جبل الطور)، وتلقَّى الوحي عليه، كما أخذ العِبرة والعظة من الجبل حينما طلب من الله أن يمكِّنه من النظر إليه - سبحانه -: {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ} [الأعراف: 143].
ثم علاقة من نوع خاص، وغير قابلة للتكرار بين سيدنا سليمان - عليه السلام - وبعض الجمادات من ظواهر طبيعية، وأصبح له جنود من الجن والطير والوحوش، وتفاهم مع الحشرات، وذلك ليس مجال البحث، ولكنها علاقات.
ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدأت رسالته من داخل مغارة فوق جبل حراء، عندما أتاه جبريل - عليه السلام - وقال له: اقرأ، وعندما تعرَّض للإيذاء من كفار الطائف أتاه ملك الجبال بإذنٍ من ربه، ومن قبلُ عندما جهر بالدعوة من فوق جبل في مكة وقال للناس: ((إني رسول الله إليكم بين يدي عذاب شديد))، ثم عندما هاجَر هو وصاحبه بدأ الهجرة من مكة، ولجأ أولاً إلى جبل ثور في غار به {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40]، وفي الحديث أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أُحُدٌ جبل يحبُّنا ونحبه)).
وأصبح من مناسك الحج التي أخذناها عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الوقوفُ بجبل عرفات، والسعي بين جبل الصفا وجبل المروة، ثم مع باقي الجمادات: رجم صخرة (رمي الجمرات)، ثم إلقاء السلام على صخرة (الحجر الأسود).
كل هذه الأمور نمرُّ عليها مرور الكرام دون تفكُّر أو تدبُّر، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]، ويقول - تعالى -: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88].
إذًا المسألة أكبر من كونها جمادات، ولم تخلق لعبًا، فما هو الأمر؟
يقول - تعالى - في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29].
وعندما قال - سبحانه وتعالى - في سورة الحشر: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
عندها نظر الجميع إلى الفاعل - سبحانه وتعالى - وقدرته، ونظروا إلى المنزَّل من عند الله، وهو (القرآن الكريم)، وتأمَّلوا في عظمة هذا القرآن، ولم يلتفت أحدٌ إلى الطرف الثالث أو إلى المفعول فيه، وهو (الجبل)، مع أنه جدير بهذه اللفتة؛ لأن القرآن - وهو كلام الله - نزل على قلب سيد البشر - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدليل قوله - تعالى -: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194]، فبالتالي لو أنزل القرآن على جبل هل سينزل على هيكله أم على قلبه؟ وهل للجبال قلوب؟
وعندما قال - سبحانه وتعالى - في قصة سيدنا داود: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص: 18]، {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10]، {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79].
هذه الآيات تدلُّ على أن الجبال تسبِّح، هكذا بصريح الآية ودون تأويل أو تفسير، وقد اعتدنا أن التسبيح يكون باللسان، فكيف تسبح الجبال؟ وهل للجبال ألسنة؟
ويقول - تعالى - في بني إسرائيل الذين زعموا أن المسيح ابن الله: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 90، 91].
وتأمَّل هذه الآية، سماء تتفطر وتنقطع أسفًا، وأرض تتشقَّق وتتقلَّص وتتذلل خجلاً، وجبال تخرُّ وتتصدَّع، والإنسان لا يبالي، فهل شعرَتِ الجبالُ بضلال بني الإنسان؟ وكيف علمتْ؟
ويقول - تعالى - في آية جامعة شاملة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18].
لقد تكلَّمت الآية عن سبع عوالم ساجدة لله - تعالى - طوعًا أو كرهًا، أربعة من هذه العوالم من الجمادات على سبيل الرمز، والخامسة من النبات، والسادسة من الحيوان، والسابعة والأخيرة من عالم الإنس، كلُّ هذه العوالم الساجدة من عالم الشهادة، أمَّا المخلوقات الساجدة لجلال الله - سبحانه - من عالم الغيب في السموات والأرض، فالله أعلم بهم، والآية أشارت إليها فقط ضمنًا.
فالكلُّ من حولنا مخلوقات ساجدة، الشمس بنورها، والقمر بنوره، والنجوم في ارتفاعها، كلها ساجدة، ثم الجبال كذلك والشجر والدواب، نراها أمامنا ولا نشعر بشيء إلا إذا تعلَّمنا شيئًا من علاَّم الغيوب، ومهما نتعلَّم فلا ولن نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء - سبحانه - وإذا كان سجودنا نحن بني البشر هو أن نضع جباهنا ووجوهنا على الأرض؛ تعظيمًا وإجلالاً لله - سبحانه - فكيف تسجد هذه المخلوقات؟ وفي بدء الخليقة حينما عرض الله - سبحانه وتعالى - الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأشفقن من حملها، أدركتِ الجبال ما لم يدركْه الإنسان من صعوبة حمل الأمانة، فهل هي أعقل منَّا نحن؟
إذًا لم يبقَ لنا إلا أن نخشع لربنا ونسبح بحمده، ولا نؤذي مَن حولنا من مخلوقات، نسجد لله ونردِّد قوله - تعالى -: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
وكلَّما كانت الزيادة طلبنا المزيد، وكلما ازددنا علمًا علينا أن نزداد تواضعًا وإيمانًا بالله، وكلَّما استعرضنا علومنا يجب علينا أن نتذكَّر قوله - تعالى -: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85].
وهكذا يجب علينا أن نتدبَّر الكائنات من حولنا؛ لنزداد إيمانًا، فكلُّ الأشياء تنطق بلسان حالها ما نفهمه، وتنطق بلسان مقالها ما لا نفهمه: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20].
ولذلك يجب على الإنسان ألاَّ يكون سطحيًّا في التعامل والتفاعل مع الجمادات، فقد وردت آية توضِّح لنا كيف أن جدارًا كان مكلَّفًا من دون الناس بحماية كنز الأيتام حتى يبلغوا أشدَّهم بأمر الله - سبحانه - ولما تقادم الجدار، وأوشك على الانهيار قبل أن يكبر الأيتام ويبلغوا أشدهم، وكأنما ناجَى ربَّه - ولِمَ لا؟ - فأرسل الله مَن يقيمه مرة ثانية؛ ليمتدَّ به الزمان حتى يؤدي رسالته على أكمل وجه، وهذا بعض ما جاء في مدلولات قوله - تعالى -: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82].
ويبدو أن الجدار كان أكثر أمنًا من الإنسان في ذلك الزمان وفي تلك المدينة، ولا أقول في كلِّ الأزمان وكل الأماكن؛ تأدُّبًا، وصلاح الأب كان كفيلاً وسببًا كافيًا لتنفعل الجمادات - بإذن الله - لصالح الأيتام.
وعلينا أن نقابل كلَّ النعم بالشكر والعرفان؛ فإنه بالشكر تدوم النعم، وبالإعراض تزول، ويكفينا ما نرى ونسمع من تصحُّر وجفاف، وما يُقال عن أن حزام المطر الذي يتكوَّن منه الأنهار بدأ يتحرك إلى نصف الكرة الجنوبي، وحيث إنَّ اليابسة التي عليها الحياة كلها تقريبًا في نصف الكرة الأرضية الشمالي، فمعنى ذلك أن الأمطار ستصبُّ في المحيطات، وسبحان القادر على كل شيء وهو يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30].
ويكفينا أيضًا ما يؤكِّده العلماء من خطورة ذلك الثقب الموجود في الغلاف الجوي للأرض؛ حيث ينفذ من خلال هذا الثقبِ إشعاعاتٌ شمسية تحلِّل الماء العذب وتجعله مالحًا، ويأتي ذلك في نفس الوقت الذي يكثر فيه الجدل عن الأمطار الصناعية، وصدق الله العظيم إذ يقول: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70].
ونسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين الذاكرين، الذين يتَّعظون بالأحداث التي تدور حولهم، ويتفكَّرون في خلق السموات والأرض، سبحانك يا ربنا، نعم، ما خلقت هذا باطلاً، فهلاَّ تأدَّبنا في نظرتنا إلى الجماد.
وصدق الله العظيم إذ يقول: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44].
اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.