الحمد لله و كفى و سلام على عباده الذين اصطفى و بعد:
فإن الله خلق الخلق لغاية عظيمة ، فركب الكون أرضه و سماواته على سنن و قواعد تعين على تحقيق تلك الغاية ، و أبدع الإنسان على طريقة تؤهله للتحقق بتلك الغاية.
قال تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) ، ( وسخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض ).
وقال تعالى : ( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون )
فالعبادة هي علة وجود الإنسان. والله خلق الإنسان و هذا الوجود كله على هيئة و طبيعة مناسبة لتحقيق هذه العلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث القرآن عن سنة تعاقب الليل و النهار بوصفها نعمة تستوجب الشكر و ظاهرة كونية تدل على الله و تذكر به سبحانه . قال تعالى : ( وهو الذي جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ).
و هذه كما لا يخفى قاعدة تصورية في غاية الدقة و الخطورة. لأنها تعني في جملة ما تعنيه أنني أنا و أنت و كل إنسان مهما كان لونه أو دينه أو جنسه لن يكون في اتجاه يناسب هيئته و طبيعته ولن يكون في انسجام حقيقي مع هذا الكون ، حتى يعيش من أجل تحقيق عبوديته الكاملة لله تعالى. وإلا فمهما كان مستواه الثقافي و أيا يكن ترتيبه الإجتماعي فإنه يسير في طريق يخالف تكوينه و يتناقض مع مؤهلاته و استعداداته ، ويتصادم مع سنن الكون . ولك أن تتخيل كيف يمكن أن تنعكس هذه المخالفة عن التكوين و هذا التناقض مع المؤهلات وهذا التصادم مع الكون ، على مجموعة القيم المصلحية التي تتكون منها سلسلة الحوافز و الدوافع المشكلة و المولدة للسلوك الإنساني . فقيم السعادة و العزة و الطمأنينة و الأمن و الخ ... لها تحقق مختلف بحسب الإتجاه الذي يسير فيه صاحبه ؛ فهي متغيرة بتغيره.
إن الإتجاه الذي يتانغم فيه الإنسان مع تكوينه و يسعى فيه لتحقيق علة وجوده يعكس قيما مصلحية متفاوتة. لكنها تتفاوت في ما هو فوق درجة الصفر ، ولتفاوتها هذا قواعد منضبطة و معروفة .
وأما تلك التي تنبثق من الإتجاه المعاكس المناقض فهي متفاوتة ، و لكنه تفاوت ما تحت الصفر منزلة! وأيضا ليس لهذا التفاوت قواعد منضبطة محددة!
يقول الله تعالى : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) و يقول تعالى : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله )
إن الذي يرفض حياة يسعى فيها لتحقيق علة وجوده ستكون له بلا شك أحلام و طموحات لمعيشة يحقق فيها مكاسبا و أرباحا . لكن هذه الطموحات و تلك الارباح و لو تحققت كما يحلم صاحبها فلن تكون إلا تحت درجة الصفر! فلأنه يبتدئ سعيه إليها خارج نطاق مؤهلاته و استعداداته و ما خلق له ! ستأتي نتائجها خارج نطاق اللائق به و الأصلح والأنفع له !
ومن هنا نفهم قول بعض العارفين : ( نحن في لذة لو يعلم بها الملوك و ابناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف ) لأن ما هم فيه من لذة لو قدر أن يعاينه و يتلمسه من يسير في الطريق الآخر لعرفوا أنهم مخدوعون موهومون !
فالحقيقة التي ليس فيها لبس هي ما قاله الله تعالى فيهم : ( فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق أنفسهم وهم كافرون ) ، ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ).
هذا و إن مما يتفق عليه العقلاء أن الأليق بالصنعة و الأحوط لحفظها هو أن تستعمل في ما صنعت لأجله . إذ ليس فيهم من يرى أن تلك الآلة التي صنعت لتنظيف سجاد المنزل مثلا ، يسوغ استعمالها لحراثة الأرض وتقليمها ! ولا يتردد أحد في وصف من يفعل هذا الفعل المشين بالحمق و السفاهة و البلادة ! فضلا عما سيؤدي إليه هذا الفعل من عطب وضرر محقق في تلك الآلة و لو بعد حين !
و إن مما يتفق عليه العقلاء أن ما صنع لهدف معين لا يصلح لغيره ، فإنه إذا تلف أو تضرر بحيث لم يعد ينفع في ما صنع له وليس له من نفع آخر قد يعود به ؛ فإنه و الحالة هذه يرمى و يهمل ! وهذا بعض ما قد نفهمه من قوله تعالى : ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) .
يتبع


رد مع اقتباس
