الحمد لله و كفى و سلام على عباده الذين اصطفى و بعد:
فهذه ورقة أخرى مختصرة نناقش فيها بهدوء بعيد عن ضجيج الخصومة و المشاحنة إخوتنا الأحبة في أجيال في ما استحدثوه من فرقة جديدة ، تبعها ما رأيناه و نراه من خلافات و نزاعات و شرذمة داخل الصف الإسلامي. ولأننا نلتزم في هذا الحوار الروية و التأني فقد رأيت أن أفتتحه بذكر المقدمات الواضحة التي لا يسعهم إنكارها البتة ، لأجعلها كالأسس لمباحث هذا الشريط بمشيئة الله تعالى.
المقدمة الأولى: لا يوجد خلاف فكري بين أجيال و بين الحركة الإسلامية التي انشقوا عنها . فليست فرقتهم الجديدة وليدة مطالعة نقدية و رؤية فكرية مختلفة. و هذا بين واضح لا يحتاج إلى إثبات بل لا زلنا نسمع منهم أنهم لم يغيروا في فكرهم شيئا و لم يستحدثوا منهجا جديدا.و إنما هم ماضون في نفس المنهج و ذات الفكر و عين الطريقة التي كانوا عليها.
المقدمة الثانية: سنسلم فيها أن ما كان بينهم و بين القائمين على الحركة الإسلامية التي انشقوا عنها من خصومات و مشاحنات ، كانوا هم المظلومين فيها و عليهم وقع الجور في جميع تفاصيلها . و أنهم لم يسيئوا إلى الطرف الآخر لا بموقف مؤذ و لا بكيد عابر و لا حتى بكلمة جارحة .
المقدمة الثالثة : النأي عن التفرق هو علامة الإستقامة على الطريق . يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم وموسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء و يهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و لولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم و إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب).
فدل هذا على أصل عظيم أوصى الله عز وجل به أنبياءه و رسله وهو ضرورة إقامة الدين المنزل و تحريم التفرق شيعا و أحزابا. و بين أن التفرق مع وجود العلم الواحد والفكر الواحد المتفق عليه لا يكون إلا عن بغي متبادل! ثم إنه سبحانه قال بعدها مباشرة : ( فلذلك فادع و استقم كما أمرت ). فمن أجل ذلك صارت الدعوة إلى مثل ما أمر الله به علامة على الإستقامة الصحيحة المرضية عنده سبحانه و تعالى.
المقدمة الرابعة : أصل العمل الحركي مع الناس هو حديث النبي عليه الصلاة و السلام الذي أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ( المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم ، أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ، ولا يصبر على أذاهم) و هو عند الترمذي بلفظ : (المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم )
المقدمة الخامسة : مصلحة التبليغ فوق كل مصلحة . و هذا يستدل عليه بآيات و أحاديث متوافرة لا يتسع المقام للاستفاضة فيها. و يكفينا هنا أن نذكر بقوله تعالى : ( و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس ) و قوله تعالى : ( و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ). فإذا كنا نحن أمة الشهادة على الخلق بنص كتاب الله عز وجل فوجب بهذا أن يكون التبليغ هو أولى أولوياتنا على الإطلاق.
و نشرع الآن في نقاش الإخوة معتمدين على المقدمات السالفة . فنقول :
أولا : مقتضى كل من المقدمة الأولى و المقدمة الثانية هو أن أجيال فرقة مستحدثة لا لرؤية جديدة و لا لمزيد علم تحققوا به و إنما هي وليدة نزاعات شخصية و خصومات فردية. فلو وجد وقتها من وفقه الله لحل هذه الإشكالات و رفعها لحال على ما يبدو دون ظهور فرقة جديدة. لكن قدر الله النافذ و مشيئته العليا اقتضت شيئا آخر لحكمة هو أعلم بها.
فإذا نحن أعملنا المقدمة الثالثة فإنه و الحالة هذه سيكون مقتضاها هو ضرورة الإمتناع الكلي عن إحداث فرقة جديدة لانه خلاف ما أوصى به الله و شرعه لنا في محكم تنزيله.
فإن قال قائل : فكيف يكون العمل في هذه الحالة ؟ و على أي وجه يكون التصرف مع مثلها ؟
فهاهنا نعمل بمقتضى المقدمة الرابعة لتكون النتيجة هي : أن الصبر على من تشاركه ذات الرؤية من إخوانك هو أولى من الصبر على عموم الناس. بل عدم نجاحك في الأولى دليل فشل محتم في الثانية.
ثانيا : زعموا في خيارهم البلدي أنهم إنما يحملهم على ما ذهبوا إليه رغبة أكيدة و حقيقية لتغيير الواقع البلدي و النهوض به. وهذه بلا شك مصلحة معتبرة و حرقة صادقة لا نشكك في نواياهم من ورائها. و لكنها إذا عارضت ما هو أهم منها وجب إهدارها. و لا يختلف اثنان أن مصلحة الوحدة و الوفاق هي فوقها لوجود النص الصريح عليها و لعدم اختلاف أحد من أهل العلم في وجوب تقديمها على كل مصلحة.
ثالثا: هذا الخيار و إن كان يحمل عليه غيرة واضحة و رؤية صحيحة تقول بضرورة تغيير الواقع البلدي و النهوض به. لكنه معارض بمصلحة أعظم ستتسبب هذه النزاعات و هذه المشاحنات بإهدارها و خنقها و تبديدها. و أعني بها مصلحة التبليغ الدور الأول الذي ينبغي أن يلتفت إليه العاملون في حقل الدعوة الإسلامية. فإذا كان صلح الحديبية ، الذي هادن فيه المسلمون أهل الكفر و الصد عن سبيل الله ، في منطق القرآن فتحا مبينا ! فإنه و الحالة هذه يكون السعي إلى نبذ الخلافات بين المسلمين الذين تجمعهم فكرة واحدة و رؤية مشتركة فتحا كذلك !
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: : تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية.
وقال الإمام الشافعي في أحكام القرآن : ( هادنهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في الحديبية . فكانت الهدنة بينه و بينهم عشر سنين. و سمى الله صلحهم فتحا. و قال ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم منه. و ذكر دخول الناس في الإسلام حين أمنوا )
وقد أخرج السيوطي في الدر المنثور كلام الزهري بتمامه وهو قوله : ( لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام )
و أخرج البيهقي في السنن الكبرى و في معرفة السنن و الآثار عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه في قصة الحديبية : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا ، فلما أن كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح من أولها إلى آخرها "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" فكانت القضية في سورة الفتح وما ذكر الله من بيعة رسوله تحت الشجرة ، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحد بالإسلام إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك ، وكان صلح الحديبية فتحا عظيما.
من أجل ذلك نقول أنه كان يجب على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية إعمال هذا المنطق القرآني في ما بينهم والأخذ به و تقديمه على كل رأي معارض له مهما رأوا فيه من المنافع و المصالح و الفوائد. فإن المصلحة الحقيقية هي في إتباع ما أوصى الله به و رسوله دون ما سواه من الآراء و الظنون التي لم يدل الدليل عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن سهل بن حنيف أنه قال في صفين: ( أيها الناس اتهموا الرأي فقد رأيتني يوم أبي جندل ، أي يوم الحديبية ، و لو استطعت أن أرد على النبي صلى الله عليه و آله و سلم أمره لرددت )
فمهما رأى من رأى أن التغيير مصلحة فإن الذي تحكم به النصوص و الآثار أن الوفاق بين المسلمين و تهدئة الساحة الإسلامية و تزيينها في أعين الناظرين هو أولى و أعلى لأنه أدعى إلى قبول الناس كلام الدعاة و إقبالهم عليهم و ائتمانهم إياهم على ذراريهم و صبيانهم . فتأمل !
رابعا: لا زلنا نرى حرصهم على التواصل مع من هم في الحقيقة امتداد لمن انشقوا عنهم. فنجدهم بين الحين و الآخر ينظمون لقاءات مع شخصيات مرموقة على علاقة تنظيمية مع إخوانهم الذين ينافسونهم اليوم في المعركة البلدية. فهل ترتضي تلك الشخصيات صنيعهم هذا؟! وهل كتبوا لهم يسألونهم المشورة في ما ذهبوا إليه؟ وهل جاءهم الجواب مؤيدا و مؤكدا لخياراتهم هذه؟! أفيدونا أفادكم الله.
يتبع بمشيئة الله تعالى إذا اقتضت المصلحة ذلك





