الماليكة يجيزون التوسل
قال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل (28) ما نصه : فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع ، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره ، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك ءامين يا رب العالمين.
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ، ألم يسمع قول الله عز وجل:{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فآستغفروا الله وآستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64)}[ سورة النساء ]. فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما ، لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، نعوذ بالله من الحرمان . ا.هـ. كلام ابن الحاج.
حديث ثابت صحيح في جواز التوسل
وأخرج الطبراني في معجميه الكبير (29) والصغير (30) عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكى إليه ذلك فقال : ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قل :" اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي عز وجل لتقضى لي حاجتي " وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال عثمان له ثم أتى عثمان بن عفان ، فجاء البواب فأخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه على الطنفسة فقال: ما حاجتك ، فذكر له حاجته فقضاها له ، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال له: ما كان لك حاجة فأتنا ، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت حتى كلّمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلّمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم :" أو تصبر" فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي :" ائت الميضئة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات "، قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: والحديث صحيح.
ففيه دليل على أن الأعمى توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في غير حضرته ، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علمه رسول الله ، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يفارق مجلسه لقول راوي الحديث عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط (31).
فإن قيل: إن الطبراني لم يصحح بقوله:" والحديث صحيح" إلا الأصل وهو ما حصل بين النبي والأعمى ويسمى مرفوعا ، وأما ما حصل بين عثمان بن حنيف وذلك الرجل فلا يسمى حديثا لأنه حصل بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يسمى موقوفا.
فالجواب: أن علماء الحديث يطلقون الحديث على المرفوع والموقوف، وقد نص على ذلك غير واحد منهم كابن حجر العسقلاني (32) وابن الصلاح (33)، وفي كتاب فتاوى الرملي (34) ما نصه :" سئل عن تعريف الأثر فأجاب : إن تعريف الأثر عند المحدثين هو الحديث سواء أكان مرفوعا أو موقوفا وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف"ا.هـ. فدعوى الألباني وبعض تلامذته وحملهم قول الطبراني :" والحديث صحيح" على ما حصل للأعمى مع رسول الله دون ما حصل للرجل مع عثمان بن حنيف دعوى باطلة مخالفة لقواعد الاصطلاح.
يتبع...