أولاً: صفات هذه القلوب
1- اجتمعت على محبتك:
هذا هو الاجتماع الذي لا يعرف توقفاً أو تعثراً، لأنه الاجتماع الموصول المستمر المتواصل، القائم على محبة الله تعالى، وذلك لأن المحبة هي أرقى منزلة من منازل السائرين إلى الله حيث تتحقق العبودية المحضة لله رب العالمين، وفي مشاهد هذه المنزلة أحلى وأبهج اجتماع حيث يتروح العابدون بنسيمها، لأنها قوت القلوب وقرة العيون وهي الحياة الحقيقية والنور والشفاء، بل واللذة الكاملة.
هذه المحبة هي سمة السالكين فالكتاب يعرف من عنوانه وكذلك الصادقون يعرفون بالمحبة، وهي النسبة بين العبد ربه، فالرب رب، والعبد خلق ليكون عبداً، ولا تتحقق العبودية إلا بالمحبة، وهي روح الإيمان والعمل، وإلا أصبح المؤمنون كجسد لا روح فيه وأعمالهم إذا خلت من الروح لم تصعد إلى السماء.
ولما كثر السالكون في طريق المحبة امتحنهم الله تعالى بقوله: ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فبين الله أن القضية ليست في أن يحبه المحبون، وإنما في أن يحبهم الله تعالى، وذلك باتباعهم للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.. فتراجع المدّعون وبقى المحبون فامتحنهم الله بقوله: ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ).
فبقي المجاهدون الذين أعلمهم الله تعالى بأن أموالهم وأنفسهم ليست ملكاً لهم بل لله في قوله: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) فلما علموا أن سلعة الله غالية قالوا: ( والله لا نقيلك ولا نستقيلك) فوالله اجتماعهم على الله وفي الله وبالله، وكذلك حركاتهم وصمتهم، فأعمالهم إلى السماء صاعدة وإن ناموا على الفرش:
( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ )..
فلا حاجز ولا حجاب.
ومن أجمع ما ذكره أبو بكر الكتاني قال: جرت مسألة في المحبة بمكة فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك. فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال:
عبد ذاهب عن نفسه
متصل بذكر ربه
قائم بأداء حقوقه
ناظر إليه بقلبه
فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله.
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين.
وصدق في المحبين قول الشاعر:
من لي بمثل سيرك المدلل ***** تمشي رويداً ؟ وتجيء في الأول
وفي اللغة:
(حَبَتُ الأسنان) أي بياضها وصفاؤها.
( حَبَبُ الماء) أي علوه وظهوره.
( حبَّ البعير) إذا برك لم يقم، أي اللزوم والثبات.
(حبة القلوب) أي لٌبُّ القلب وداخله.
(حبة من الحبوب) أي أصل الشيء ومادته.
ولقد علق الإمام ابن القيم على معنى المحبة في منظور اللغة بقول بديع: ( فإنها صفاء المودة وهيمان إرادات القلب للمحبوب وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب، ولزومها لزاماً لا تفارقه، لإعطاء المحب محبوبه لُبّه، وأشرف ما عنده، وهو قلبه ..) المدارج/ج3.
فبالله عليك اجتماع قلوب على محبة الله تعالى بهذه الحقيقة وبهذه المعاني.. هل يتوقف أو تعثر أو يزول، إنه اجتماع ثابت مستمر، لازم مستقر، ورحم الله الإمام البنا وهو يبدأ بهذه الصفة في قلوب الإخوان كأساس في السلوك وارتقاء في القرب من الله تعالى.
2-والتقت على طاعتك:
أهل الطاعة بل قل أهل العبادة، التي هي غاية مرادهم، ما يزدادون إلا طلبًا من الله أن يعينهم ويوفقهم للطاعة، وهذا ما علمه رسول الله الحبيب صلى الله عليه وسلم لحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: ( يا معاذ والله إني أحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
وأهل الطاعة هم أهل الإخلاص والمتابعة، فأعمالهم كلها لله وأموالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، ولا يريدون من الناس جزاءاً ولا شكورا. وكذلك أعمالهم وعبادتهم وطاعتهم موافقة لأمر الله ولما يحبه ويرضاه، ومن أجل ذلك كان ابتلاء الله للناس: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ).
وكان الفضيل بن عياض يقول: العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه، ويتلو قوله تعالى: ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )، وفي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد).
وأهل الطاعة هم الذين يعملون على مرضاة الرب في كل وقت وأفضل الطاعات عندهم في وقت الجهاد: الجهاد، والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر، والأفضل في وقت إرشاد الناس: تعليمهم ودعوتهم، والأفضل في وقت الصلوات الخمس: المبادرة إلى أول الوقت والخروج إلى المسجد وصلاتها في جماعة والحرص على إقامتها كاملة .. وهكذا مع كل الطاعات: في تلاوة القرآن، في الحج، في العشر الآواخر من رمضان، في وقت مرض أخيك، في مخالطة الناس والتأثير فيهم بالدعوة، حتى يتحقق فيهم قول القائل: ( فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم ..) أليس ذلك معنى الالتقاء الجميل على الطاعة.
وأهل الطاعة هم أهل الذلة والخضوع لله رب العالمين، ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ولأنهم عبيد إلهيته والناس جميعاً عبيد لربوبيته: ( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) فأوجب ذلك عليهم طاعة قلوبهم لله تعالى، فمن عطلها عطل الطاعة كلها، لأن القلب للجوارح كالملك، فإن قام بمهمته قام هو ورعيته، ومن ثم كان حرص الإمام البنا أن تكون هذه الصفة من صفات القلوب ( والتقت على طاعتك).
وربما كان للترتيب عند الإمام البنا فن حال، وفقه موقف، فبدأ بصيغة (الاجتماع على محبة الله) ثم ثني بصيغة (الالتقاء على طاعة الله) وذلك لأن المحبة لا تحقق إلا باتباع أمره وطاعته واجتناب نهيه وطاعته أيضاً فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة المحبة، ولهذا جعل الله تعالى اتباع رسوله علماً عليها وشاهداً لمن ادعاها فقال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) مصداقاً لقوله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً).
ودل ذلك أن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي حب الله ورسوله بطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما يقول تعالى:
( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فمن قدم طاعة أحد من هؤلاء أو قوله أو مرضاته أو معاملته أو حكمه على طاعة الله ورسوله في قوله ومرضاته ومعاملته وحكمه، فخرج من دائرة: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
وهكذا كان للترتيب فن وفقه، وارتباط متداخل في الحكمة دقيق، فأهل طاعة الله وإن تناءت بهم الأقطار هم في التقاء لا يزول، وإن تباعدت بهم الديار فهم في التقاء لا يحول، يكفيهم أنهم قلوب التقت على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.