حسن البنا شخصية ساحرة ، فذة و غنية ! لذا كان لها الحظ الوافر من الألقاب التي يخلعها على الاقطاب ، عادة ، المريدون و التلاميذ و المحبون :
فهو الإمام العالم ، العامل ، العارف ، الزاهد ، القدوة ، أستاذ الجيل.
لكن لعل أقربها و أشملها و أعمقها هو : الداعية . فلقد ولد من رحم الدعوة الإسلامية ثم ولدت الصحوة المعاصرة من رحم دعوته.
بعد وفاة مؤسس المنار الإمام رشيد رضا رحمه الله تعالى ، تولى الإمام الشهيد إصدار مجلته المنار وفاء لعلامتنا القلموني.
أفلا يكون للإمام الشهيد حق علينا اليوم، نحن أهل القلمون ، أن نذكره في ذكرى رحيله بكلمات يسيرة نعبر بها في وفاء عن مكنون نفوسنا تجاهه ؟
فمن منا لم ينبض قلبه يوما بحب هذا الإمام العظيم؟
من منا لم يقرأ رسائله و لم يبحر مع مذكراته و لم تستوقفه ألفاظه العلمية التي تنضح بالأصالة و الدقة ؟
من منا لم يقرأ المأثورات ؟
من منا لا يحفظ ورد الرابطة؟
من منا لا يصدح صباح مساء بتلك الشعارات التي أطلقها فأحيت و تحيي فينا صورا تمتد عبر الزمن لتلامس الجيل الأول من أتباع حبيبنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم؟
" أنتم روح يسري في هذه الأمة فيحييها بالقرآن"
" كونوا كالشجر يرمى بالحجر فيرجع بالثمر"
" أخشى عليكم أمرين اثنين:أخشى عليكم أن تنسوا الله فيكلكم الى أنفسكم، أو أن تنسوا أخوتكم فيصير بأسكم بينكم شديد"
" الله غايتنا ، و الرسول قدوتنا ، و القرآن دستورنا ، و الجهاد سبيلنا ، و الموت في سبيل الله أسمى أمانينا "
من منا لم يقرأ عن تلك الروح المشرقة المنجذبة إلى السماء تجوب القرى على أقدامها ، تجلس في آواخر الصفوف تناجي الله في صمت وهي تداري دموعها . ثم تتقدم لتخترقها بجرأة و تقف فيهم بشموخ ، تخاطبهم بساحر الألفاظ و المعاني.
حسن البنا الذي ملأ ذكره الخافقين كان أستاذا تخرج من مدرسته الأفذاذ الذين انتشروا في أصقاع العالم الإسلامي و في الغرب كذلك ، يدعون الناس إلى دين التوحيد مكمن عزتهم و سعادتهم في الدنيا و الآخرة.
فالحديث عن حسن البنا حديث طروب و لحن شجي يحرك الدموع حزنا على فقد علامة و مرب و داعية و أستاذ للجيل ، لكنه في الوقت عينه حديث عن دروب العزة الوضيئة التي يدعوا إليها القرآن ؛ إذ لم يكن ذلك الشاب الطموح الجريء المقتحم سوى صدى متقدم و استجابة حية لدعوة القرآن الخالدة.
و من عرف حسن البنا يدرك تماما حقيقة ما أسطره هنا. من عرفه و هضم دعوته و خبر سيرته يكاد لا يذكر أمامه إلا و يتحرك بين جوانبه حب تجريد الإتباع لحبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم ، و شوق إلى حياة الزهد و التجافي عن دار الغرور ، و عزيمة على العمل المتقن الدؤوب ، و لهفة إلى طلب العلم و مصادقة الكتب ، و تعطش لتدبر كتاب الله المحيي ، و احتراق وتحرق للدعوة و الأخذ بيد الناس إلى طريق الهدى و العزة...
مع حسن البنا نذكر ربعي بن عامر و هو يخاطب رستم ...
مع حسن البنا نذكر الفضيل بن عياض في زهده وورعه ...
مع حسن البنا نذكر محمد بن واسع وهو يردد سورة الغاشية ويبكي ...
مع حسن البنا نذكر العز بن عبد السلام في جهاده و جرأته أمام السلاطين ...
مع حسن البنا نذكر صلاح الدين و هو يرمي ببصره نحو بيت المقدس ...
مع حسن البنا نذكر كل هؤلاء دفعة واحدة تختلط معها الأصالة بالتجديد في صورة واقعية متألقة تنبض بمنهج الجيل الأول الذي أخذ بلب البنا و عقله و روحه.
فأرجو من جميع الإخوة و الأخوات هنا أن يساهموا في هذا الموضوع. فيطلعونا على مشاعرهم اتجاه هذا الإمام الكبير أو يذكروا لنا طرفا من أخباره و جهاده لتعم الفائدة ، و يستذكر الجميع أن السلوك إلى الله هو درب حقيقي و ليس مجرد وهم وأماني .


رد مع اقتباس
.. كيفكم يا جماعة


