الاسلام والطب النفسي
د.عزالدين فراج
نعيش الآن في عالم مضطرب ثائر.. فيه يثور الانسان المعاصر على نفسهوعلى الآخرين.. عالم في صراع بين طوائفه وطبقاته.
عالم في صراع بين البيضوالسود.. وبين الأغنياء والفقراء صراع مادي لا يعرف الرحمة ولا الإخوة ولاالانسانية، وكأن سوط المادة يلهب ظهور البشر لجمع مال أو اغتصاب حق أو حيازةثروة.
وهذه الحياة المادية الثائرة المضطربة حرمت الانسان من حياة هادئة وأبعدتهعن الراحة والسعادة.
لقد أكدت إحصائية: ان ثمانين في المائة (80%) من مرضى المدنالأمريكية الكبرى يعانون أمراضاً ناتجة عن توتر الأعصاب من ناحية أو أخرى، ويقولعلم النفس الحديث أن من أهم جذور هذه الأمراض النفسية الكراهية والحقد والجريمةوالخوف والإرهاق واليأس والترقب والشك والاثرة والانزعاج من البيئة.
وكل هذهالأعراض تتعلق مباشرة بالحياة المحرومة من الإيمان بالله. ان هذا الإيمان باللهيمنح الانسان يقيناً جباراً حتى يستطيع مواجهة أعتى المشكلات والصعاب، فهو يجاهد فيسبيل هدف أعلى ويغض بصره عن الأهداف الدنيئة القذرة.
والانسان في حاجة إلى عقيدةالاسلام، لتكون الشاطئ الذي يأوي إليه والركن الذي يعتمد عليه، إذا ألمت به الشدائدوحلت به المصائب أو خاب أمله في موضوع ما. عندئذ تأتي العقيدة الاسلامية فتمنحهالقوة بعد الضعف والأمل بعد اليأس.
إن الإيمان بالله وعدله فوي العوض والجزاءعنده تهب الانسان الصحة النفسية والروحية فيغمر في نفسه وروحه مظاهر التفاؤل، ويجدفي ذلك الرجاء والأمل، والسكينة والاطمئنان وهذا لا يقوم مقامه مال ولا ولد ولا علمولا ملك الدنيا. أما الذي يعيش في هذه الدنيا بغير عقيدة الإيمان بالله، يرجع إليهاإذا تتابعت الخطوب وحلت الكروب، فإنه يعيش مضطرب النفس، حائر الفكر، مشتت الذهن،وأمثاله يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي والتوتر العصبي والاضطراب الذهني وهمينهارون بسرعة إذا حلت بهم النكبات والمصائب والخطوب.
وهذا ما يؤكده علماء علمالنفس. وفي هذا الصدد يقول (ارنولد توينبي) وهو أحد فلاسفة مؤرخي العصرالحديث:
((الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية... وحسبنا أن نقول بأنافتقار الانسان للدين يدفعه إلى اليأس الروحي)).
إن الذي يعيش بغير دين وبغيرعقيدة في الله والآخرة انسان محروم شقي. انه مخلوق حيواني كالكائنات التي تدب علىهذه الأرض والتي تعيش ثم تموت، من غير أن تعرف لها هدفاً في الحياة، أو تدرك سرالوجود.
والحياة لا تستقيم بدون إيمان بالله.. في هذا الصدد يعترف (فولتير)الكاتب والثائر الفرنسي يقول:
))
لم تتشككون في وجود الله، ولولاه لحطمني صديقيوأخي وسرقني خادمي، وخانتني زوجتي)).
وتجارب التاريخ والحياة الواقعية تنطق بفضلالإيمان بالله، وضرورته للانسان، فهو ضروري له ليطمئن ويسعد وضروري أيضاً للمجتمعليستقر ويتماسك ويرقى.
وحينما يعيش الانسان بغير عقيدة، تتحول أدوات العلم فييديه إلى مخالب وأنياب تقتل وترهب، وتتحول إلى معاول وألغام تدمر وتحطم، وتشيعالخوف والذعر. استطاع العلم ن يضع قدم الانسان على سطح القمر، ولكنه لم يملك أن يضعيده على سر وجوده والغاية من حياته. لقد استطاع الانسان أن يكشف كثيراً من الحقائقالعلمية ولكنه لم يكشف حقيقة نفسه. لقد حمله العلم إلى سطح القمر، ولكن أبعده عن سرالطمأنينة والسعادة.
والنفس المحرومة من العقيدة الدينية لن تنتهي به إلا إلىالخوف واليأس والقلق، وهذه بدورها تنتهي به إلى أمراض عصبية ونفسية وعلماء النفسيحللون الأمراض النفسية والعصبية ولكنهم ينسون دور العقيدة في علاج هذهالأمراض.
ويقول ديل كارنيجي في كتابه ((دع القلق وابدأ الحياة)) ((إن أطباءالنفس يدركون إن الإيمان القوي والاستمساك بالدين كفيلان بأن يقهرا القلق والتوترالعصبي وأن يشفيا من الأمراض)).
إن الإيمان بالله يعطي الانسان (محركاً) هو أساسسائر الأخلاق الطيبة ومصدر قوة العقيدة.
وتمضي أسس علم النفس، فتحاول ألا تدعالقلق يسيطر على الانسان، بأن تنصحه ألا يتسرع الفزع إلى نفسه، ولا يهتم بالغد،وجعلوا إن أساس القلق هو الفزع مما قد يحمله الغد، وجعلوا إن أساس القلق هو الفزعمما قد يحمله الغد، من ضياع الصحة والمال والولد.
ولكي نوازن بين تفكير المسلمالمؤمن وغير المؤمن نعرض رأي الشيخ محمد متولي الشعراوي:
نضرب مثلاً يقرب ذلكإلى الأذهان.. إن لكل انسان في كل يوم مشكلات ومشاغل، يجب أن يواجهها.
وخلال هذهالمشكلات والمشاغل تنقسم النفس البشرية إلى قسمين، قسم يعبد عقله وهو ي كل ما يحدثله ينتابه قلق لا ينتهي فهو خائف أن تضيع منه الصفقة أو أن يفقد وظيفته، أو لا يوفقفي عمل هو يريده.
وهو في خوفه هذا مما هو قادم، يحاول أن يعمل عقله ويخطط..ومهما عمل.. ومهما خطط، فإن الخوف ينتابه من النتيجة التي لا يستطيع أن يضمنها..ولهذا فهو في قلق دائم متلهف ليعرف نتيجة ما عمل، يخشى أن يسقط أو يفشل، ويعيشمتمزقاً طول حياته.. وفي مقابل ذلك نجد انساناً آخر معتمداً على الله في كل شيء..يعمل كل ما في وسع ويتخذ من الأسباب ما يحقق النتائج التي يطلبها ولكنه يعتمد علىالله ويعرف إن الله معه، ولذلك لا يعيش في قلق، بل تدخل في نفسه الطمأنينة، وقد أدىواجبه بالوسائل المتاحة له، فلا داعي للقلق وهو يقول: (قل لن يصيبنا إلا ما كنتالله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون).
والتوكل على الله لا ينافي أخذالحذر من كل ما يضر قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) وأمر بحفظ النفسفقال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
ويؤكد علماء النفس أن لا شيء يملأ نفسالانسان بالسعادة قدر الإيمان بالله والسلام، فالمسلم المريض نفسياً يرتاح عندمايتجه إلى طبيبه يشكو إليه آلامه، فيستمع إليه ويرفه عنه ويعده بمساعدته والخلاص مماهو فيه، فم بالك لو انه لجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وآمن به وهو القائللرسوله:
ـ (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني).
ـ (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد).
ـ وإذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإناإليه راجعون أللهم عندك احتسب مصيبتي. فاجرني فيها، وأبدلني خيراً منها.
ولعلأروع ما يثير في النفس الراحة والاطمئنان، الاستماع إلى قول الله سبحانه:
ـ (فإنمع العسر يسرا إن مع العسر يسرا).
ويجمع الأطباء النفسيون، إن علاج التوترالعصبي، والتأزم الروحي، يتوقف إلى حد كبير على الإفضاء بمبعث التوتر والأزمة إلىأخ أو إلى صديق. فهل هناك أعمق وأقرب وأصدق واحكم من أن يستمع إلى الله وإلى هذهالآيات الكريمة بإيمان عميق فتستريح النفس، وينتظر الرجاء من رب العبادوخالقها.
نادى علم النفس مرضاه بالصبر، لأن عدم صبر الانسان يصيبه بأخطر الأمراضالنفسية. ولا شك إن ما قيل عن ذلك ليس بجديد بل سبقه قول نبينا الكريم محمد (ص):
((
ما رزق الله عبداً خيراً له ولا أوسع من الصبر)).
ويوصي أساتذة علمالنفس بأن يشغل الانسان نفسه بالعمل اليدوي، إذا ضاقت نفسه وزاد همه، لأن هذا العمليملأ نفسه وفكره ويبعده عما يؤلمه ويفكر فيه. وهذا ليس بجديد أيضاً فهذا قد عالجهالنبي بقوله: ((ما على أحدكم إذا ألح به الهم إلا أن يتقلد قوسه)).
أي يعملعملاً.
ومن الجانب الآخر نجد انساناً يعمل ويعمل ولا ينقطع عن العمل، ولو تأملفي أمر استعجاله الزائد لوجد أن ذلك يستهلك أعصابه وحياته سريعاً، فلا يحقق ما تصبوإليه حياته كلها في نهاية الأمر وقد عالج ذلك سيدنا محمد (ص) بقوله من أربعة عشرقرناً من الزمان:
ـ إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
وحتى لا يصابالانسان بداء السرعة وما ينشأ عنها من إرهاق، فليستمع إلى قول النبي الكريم محمد (ص): ((التؤدي في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة)).
وينصح النبي الكريم لحمايةالانسان من الاجهاد والارهاق فيقول:
ـ ((إن لبدنك عليك حقاً))...
حتى فيالدين طالب بالاعتدال، فعندما سمع رسولنا الكريم أحد المسلمين يقول:
أنا أصليالليل ولا أرقد أبداً، وأصوم الدهر ولا أفطر أبداً، وأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً،رد النبي عليه قائلاً:
((
أنا أتقاكم فأنا أصلي وأصوم وأتزوج، فمن رغب عن سنتيفليس مني)).. أو كما قال:
ويريد بذلك عدم الارهاق في شؤون العبادة.. فمن بابأولى ينهي عن الارهاق في شؤون الدنيا ـ فالارهاق طريق يضعف الأعصاب وقديحطمها.
ولهذا أيضاً جاء في أحد أحاديثه الشريفة.
((
إن الرفق لا يكون في شيءإلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شأنه.. أي عابه)).
ـ قاتل الله الغضب!!
وأدركنبي الاسلام محمد (ص) أثر الغضب المتكرر على النفس والأعصاب والأمراض النفسية فنصحقائلاً:
ما من جرعة أعظم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبده ابتغاء وجه الله ((وقال أيضاً)) ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
وعالجأيضاً بعض حالات الغضب، فقال:
إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس يذهب عنه الغضبوإلا فليضطجع.
ـ يسروا ولا تعسروا...
ـ وبشروا ولا تنفروا...
هذه ((روشتهلا لفرد فقط، بل للشعب بأجمعه.. هذه أجمل روشتة)) لإشاعة الراحة النفسية الدائمة أنمجرد سماع نقد أو كلمة يأس أو إضعاف الهمم يؤثر تأثيراً قوياً وعميقاً، قد يغير منضغط الدم صعوداً وهبوطاً، وقد تحل به نوبة قلبية.. ولهذا يجب الترويح على النفوسبما يملأ قلوبهم أملاً وسروراً: ولهذا قال النبي الكريم عبارته المعروفة: بشروا ولاتنفروا.. وقال أيضاً في قضاء الحاجات يسروا ولا تعسروا.
ومما يتصل بالعلاجالنفساني أن يشغل المهموم نفسه بغير سبب همه وأن يبتعد عن المكان الذي يذكره بسبهمه أو يشغل نفسه بعمل ينسيه همه.