أعلنت الأكاديمية السويدية اليوم عن منح جائزة نوبل للآداب للكاتب الفرنسي جان- ماري غوستاف لوكليزيو.
وامتدحت لجنة نوبل في حيثيات قراراها الحث الكاتب الفرنسي لما أبدعه من رويات المغامرات، وكتب الأطفال وما كتبه من مقالات.
وقال بيان اللجنة إنها اختارت "كاتب الانطلاقات الجديدة والمغامرة الشعرية والنشوة الحسية ومستكشف بشرية ما وراء الحضارة السائدة".
وسيتسلم لو كليزيو المعروف بروحه الشابة رغم بلوغه الثامنة والستين من العمر, الجائزة وقيمتها المالية في احتفال بالعاصمة السويدية ستوكهولم في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
وكان لوكليزيو قد اشتهر عالم 1980 بعد نشر رواية "الصحراء" التي اعتبرتها الاكاديمية السويدية تقدم "صورا رائعة لثقافة ضائعة في صحراء شمال افريقيا".
فيلسوف
وتشمل أحدث أعماله ballaciner وهو عمل اعتبرته الاكاديمية "مقالا شخصيا عميقا حول تاريخ فن السينما".
وكتب المؤلف ايضا كتبا للأطفال من بينها لولابي عام 1980 وبالابيلو عام 1985.
وقد سبق ان حصل على عدد من التقديرات الأدبية في وطنه فرنسا منها جائزة لاربو في عام 1972، وجائزة جان جيونو الكبرى عام 1997.
والكاتب من مواليد 1940 في مدينة نيس الفرنسية، وقد قضى سنتين من طفولته في نيجيريا، وقام بالتدريس في جامعات في بانكوك وبوسطن ومسكيكو سيتي.
وتبلغ قيمة الجائزة حوالي 1.4 مليون دولار أمريكي، وهذه هي المرة الأولى التي يحصل عليها كاتب فرنسي منذ عام 1985.
ليس الفرنسي جان ماري غوستاف لو كليزيو بغريبٍ عن الجوائز الأدبية فهو حصد في ريعان شبابه الثالث والأربعين (1963) جائزة "رونودو" عن عمله le Procès verbal (المحضر الرسمي)، ليظفر بعد فترةٍ وجيزة بجائزة "بول موران" عن عمله Le Désert )الصحراء- 1980)، ويُنتخب في العام 1994 أهمّ روائي حيّ يكتب باللغة الفرنسية.
ولكن لجائزة "نوبل" نكهة مختلفة خصوصاً أنّها تمنح بعد بلبلةٍ غامضة وهمساتٍ سرية تُتداول فيها أسماء الطامحين الى قهر الموت بإبداعٍ يأبى الوداع.
والكاتب الفرنسي الجنسية، البريطاني الوالد والمولود من أم ترعرعت في "جزر موريس" يحمل في حناياه بذور الروائيّ الرحالة. فسيرة لو كليزيو الذي بلغ نُضجَ الثامنة والستين سلسلةٌ لا متناهية من أسفارٍ إنّما سمحت له اكتشاف ذاته، فهو في الثامنة التحق بوالده في نيجيريا، ثم قصد انكلترا، ليؤدي في ما بعد خدمته العسكرية في بانكوك عام 1967، ويحطّ رحاله بعد حين في المكسيك حيث أسره تراث الهنود الحمر فشاركهم حياتهم وترجم لهم نصوصاً تحكي تاريخهم القديم، وينتقل لاحقاً الى جزر موريس ورودريغيز حيث كتب روايتين حصدتا نجاحاً باهراً le chercheur d’or (الباحث عن الذهب- 1985) وVoyage à rodrigues (أسفار الى رودريغيز- 1986).
وهو أسوةً بالأدباء جميعاً مغامرٌ جريء: "حين بدأت الكتابة، يقول لو كليزيو، كان هدفي نقل القصص فحسب، ولكنني سرعان ما أدركت أنني أكتب لسببٍ واحد: أن أعرف من أنا بحثاً عن المغامرة".
ولو كليزيو في شبابه ومشيبه في ترحالٍ دائم، في قلقٍ من "المدينية" القاحلة، كبدويّ غادر للتوّ صحراءه الدافئة الى فضاء مدنٍ باردة تدبّ في أوصاله خوفاً خانقاً من المجهول. وفي بداياته التي شهدت انتاجاً تخطى العشرين مؤلفاً ثمة خيط رفيع يربط كتابته بكتلةٍ واحدة يتيمة المعالم: العدم. ففي روايته "تيرا أماتا" (1967) عالمٌ مجرّدٌ قوامه الأرض والشمس والحيوانات، حياةٌ لا طيف فيها لآدميّ، وفيExtase Materielle (نشوة مادية) حكايات حول حقبة "لم يكن مولوداً فيها" أما في Voyages de l’autre côté (أسفار من الجهة المقابلة- 1975) فرحلاتٌ تنتهي ببطله الى أراضٍ مجرّدة من العشب والأشجار والبشر. إنّها أرض اللاشيء، يحتفي الكاتب بـ"صحرائها"، حيث ليس من معنىً لأي أمرٍ، حيث تنتفي الأنواع والأشكال ليولد مزيجٌ متناقض من عدمٍ وحياة يحيا فيه الانسان في انسجامٍ مقدّس مع عالمه ومفرداته. هنا في هذه الصحراء اللامتناهية تولد "اللغة" كظاهرةٍ تجبلها السماء لتعبر فينا جميعاً كما تعبر الحياة إلينا من موجاتٍ تحيط بنا.
وفي تمهيده لروايته Haï يبوح لو كليزيو كيف أشفت روايته غليله من الادراك: "في اللحظة عينها التي أختم فيها روايتي هذه، أُدرك أنّها تمخّضت، من حيث لا أدري، من احتفاليةٍ سحريّة بشفائي... لعلّنا نكتشف ذات يوم أنّ الفنّ لم يكن موجوداً أبداً ، إنّما كان "طِباً" يُشفي أرواحنا".
وفي رواياته الأخيرة التي وضعها في نهاية التسعينات Hasard (صدفة- 1999) وتلك بعد الألفين على غرارl’Africain (الافريقي- 2004) وRitournelle de la faim (لازمة الجوع-2008) وبعد ما يربو على الثمانية وثلاثين مؤلفاً ما زال الهاجس نفسه يطارد الراوي: أسفارٌ ومغامراتٌ تحكي الرحيل ومرحلة الانتقال من الطفولة الى المراهقة بلغةٍ غامضة ذلك أنّ لو كليزيو يمقت الوضوح ويرى فيه رديفاً للموت "لطالما رغبت في وضع كتابٍ يكون بوضوح الحياة، لكنني لم أفلح في تلك المغامرة.
وحدها الحياة المعيوشة بسيطة فما أن يتسلّل الأدب إليها حتى يرمي غباراً في عينينا. الكتابة تُعميني وأجدني هنا من مؤيدي العمى!".
جولي مراد- الجريدة