جلس يرقبها عبر التلفاز يتفطر عليها قلبه لوعةً و حزناً...
وسرح بخياله إلى زمن كانت فيه رمز الطهر و الصدق...
كيف لا ، و قد كانت لا تبرح محرابها ضارعةً بين يدي ربها ...
كيف لا ، و قد كنت مدْرَسَة توجه الأمّة بشيبها و شبانها ...
كيف لا ، و قد كانت منارة يهتدي بها الحيارى و يسترشد بها الضُلّال ...
كيف لا ، و قد كانت الشهامة و المروءة من أبرز شيمها ...
كانت لا تتوانى عن إجابة سائلٍ أو نصرة مظلوم ...
كانت لا تخشى في الله لومة رئيس أو زعيم أو طاغية ...
كانت مترفعة عن المناصب و الأموال فلا تُشْتَرى ولا تباع و لا تُستأجر ...
كان اسمها دوماً في أول قائمة الشهداء إن تعانقت الحراب أو تصايحت البنادق...
حتى ألوان ثوبها كانت تسحره و تأسر قلبه...
بياض يعبّر عن طهرها و يعلن أنها تحمل كفنها معها أنّى سارت...
بياض تعلوه حمرةٌ تعلن أنها مستعدة لسكب دماءها رخيصة في سبيل خالقها...
وسحبه صوت التصفيق من بحر خياله ، فعاد بنظره إلى التلفاز...
عاد ليحدّق بها و هي تصفق و تهتف على غير استحياء ...
تصفق لمتكلم لا يحمل ذرّةً من خلفية أو رؤية إسلامية ...
و هدأ التصفيق و الهتاف ، فعاد إلى بحر أفكاره يتساءل عن سرّ تغيرها ...
ما بالها استبدلت عزّها ذلاً على أبواب المترفين ...
ما بالها باتت سلعة رخيصة يبتزها الطواغيت بالأموال و المناصب...
ما بالها استبدلت المصحف بتعاليم الكبراء و الزعماء ...
ما بالها استبدلت السيف و الترس بالصحون و الملاعق...
ما بالها باتت لا تتحرك لنصرة مظلوم أو مستضعف...
ما بالها استبدلت توجيه الناس إلى رب العباد بتوجيههم إلى عبادة العباد ...
حتى حمرتها باتت تعني أنها كذوات الأعلام الحمر أيام الجاهلية ، لا تَرُدّ طالباً...
و عاد التصفيق و الهتاف مرة أخرى ليعيد عينيه إلى التلفاز...
فلم يحتمل منظرها ثانية تصفق و تهتف بحياة الطواغيت...
فمدّ يده و أطفأ التلفاز و راح يردّد قول الله تعالى :
"و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ..." آل عمران ص 75
-في طريقه إلى حبل المشنقة ، طُلب من صاحب الظلال رحمات الله عليه أن يكتب تأييداً لعبد الناصر مقابل العفو عنه ، فكان ردّه الخالد :
" إن إصبع السبّابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يأبى أن يكتب كلمة يتقرب بها لحاكم طاغية ، فإن كنت مسجوناً بالحق فأرتضي حكم الحق ، و إن كنت مسجوناً بالباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل ."
-ومن جميل بيوت الشعر قول الشاعر :
شرّ المهانة ركعةٌ .............. بين الجموع إلى وثن