عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
( إن الله يبعث علي رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها.)
يقول الإمام جلال الدين السيوطي في شرحه المستفيض لهذا الحديث: إنه علي رأس كل مائة سنة يبعث الله داعية يقوم بالتجديد... ويقول: إن المائة سنة ليست شرطا فلقد يأتي من يجدد بشكل متلاحق, وقد يأتي أكثر من مجدد في زمان واحد.
قد يتفق جميع العلماء و المفكرين على ضرورة التجديد في الدين ، و لكن هناك اختلاف واسع بينهم حول فهم مضمون هذا التجديد .
فالتجديد في الدين ، على ما عرفه مؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي في القاهرة عام 2001 هو :
" إعمال العقل والفكر فى مشكلات الحياة المعاصرة التى أوجدتها المتغيرات التى حدثت فى العالم لاستنباط الأحكام المناسبة لها من أدلتها الشرعية "
يعرف تاريخ الفقه الإسلامى بصفة خاصة تيارين متقابلين في مجال التجديد في الاسلام ، يميل أولهما إلى المحافظة الشديدة،.. ويعتصم هذا الفريق بالنصوص القرآنية والنبوية لا يكاد يعدوها.. و هم ما يطلق عليهم " أهل الحديث ".. أما التيار الآخر فإنه يجعل للعقل دوراً بارزاً إلى جانب دور النصوص..وهؤلاء هم الذين يطلق المؤرخون عليهم وصف "مدرسة أهل الرأي ".
إلا أن الاختلاف بين المدرستين بقي اختلافاً فقهياً أدى إلى غنى في الفقه و القواعد و الأصول و بقيت المدرستان معتبرتان و شكلتا معالم المذاهب الأربعة التي يأخذ بها و يتبعها غالبية المسلمين في العالم .
أما العصر الحالي فإن التجديد فيه أخذ بعداً مغايراً في الاختلاف عما سبقه ، فالاختلاف حالياً قائم بين مدرستين متباينتين : الاولى تستمد رؤيتها من العقل الغربي بمناهجه و قواعده و تعمل على إسقاط المبادئ الاسلامية على تلك المناهج لبلورة اسلام حديث تدعي أنه يتوافق مع العقل و الحداثة ، و الثانية تتمسك بثوابت و أصول الدين و قواعده و مناهجه و مبادئه و أخلاقياته باعتبارها أصولاً ثابتة و تعمل على تبيان حقيقة هذه المبادئ التي اختلط فهمها على كثير من الناس ، و مؤكدة أن هذه القواعد قادرة على التعامل مع كل المستجدات و هو أمر لا يتنافى مع العقل المنضبط بضوابط قواعد أصول الفقه و الدين .
إن الاسلام لا ينكر التجديد بل يدعو اليه بصريح الحديث الآنف ذكره ، و لكن الاسلام وضع قواعد منزلة من عند رب العالمين فهي تسمو فوق عقل البشر و المطلوب من المسلم أن يعمل عقله ضمن هذه القواعد فيستنبط منها ما يتوافق معها و مع محيطه
من هنا نحن نفهم التجديد أنه تجديد للدين ، لحقيقة الدين كما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، أن نحافظ على أصالته و ربانيته ، و أن تكون نظرتنا الى المحيط و الواقع و التجديد انطلاقاً من مبادئه و قواعده و أخلاقياته . أو اليست القواعد التي استنبطها الفقاء من كتاب الله و سنة رسوله كانت حافزاً لنهضة الأمة و تشكيل عقلها ؟ أو اليست المبادئ و الأخلاق التي بثها الإسلام في نفوس أبنائه هي التي صنعت حضارة عمرت أكثر من أي حضارة أخرى ؟ .
يقول (الشيخ البوطي) : " فتجديد الدين مشروع ومأمور به. وهى واحدة من المهام التى يجند الله لها العلماء الربانيين، بعد أن ختمت الرسالات ببعثة خاتم الرسل والأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام.. أما التبديل فتضييع للأمانة. وخيانة للعهد، وافتئات على الله عز وجل، ومن ثم فهو تورط فى محرّم. وتعرض للطرد من رحمة الله وغفرانه".
ويوضح الدكتور البوطي مفهومه للتجديد الاسلامي فيقول : " والتجديد مسلّط عليه أى على الدين ذاته، لا على مبادئه وأحكامه..وإنما يتمثل عمل من يبعثهم الله لتجديد الدين. إذن فى حمل الناس على تجديد بيعتهم لله، وعلى العود إلى الانضباط بهديه وأحكامه، بعد طول تفلت وشرود.. وعلى إصلاح ما تصدع من صرحه، وتمتين ما هوى من دعائمه، وسدّ ما تفتح من ثغرات فى مفاهيمه، وترك أحكام المستجدات من الحوادث والمصالح والأعراف، على كليات القواعد الفقهية. والمبادئ الأصولية وقواعد تفسير النصوص، دون أىّ عبث بها، ودون أى استجرار لها إلى ما تتطلبه الرغائب والأهواء، وحظوظ النفس ومغانم الدنيا".