موضوع قيم على عدة حلقات أنقله لكم من منتدى الرابطة ،
الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ورضي الله عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد فقد استبشرت خيرا وأنا أتابع أخبار تصدي جمهور المصلين ، في بلاد عبد الله بن ياسين لمحاولات اعتداء المعتدين ، على الخطباء والدعاة والموجهين ، وقد رأيت في ذلك صحوة بعد غفلة ، ويقظة بعد غفوة ، وإفاقة بعد غيبوبة ، ورجوعا إلى الأصل الشرعي الذي يفرض رد العدوان ، ونصر المظلوم ، والوقوف في وجه الظلم ، وتغيير المنكر باليد .
وأمَّلت أن يكون هذا بداية نهضة ، وأول عهد جديد يعرف فيه الفرد المسلم واجبه فيؤديه ، وحقه فيقف عنده ويطالب به ، ويقول للظالم : لا .
وتشجيعا لهذا الاتجاه ، ودعْما لهذا الخط ، وتبرئةً للدين من أن يكون إلى جانب المستسلمين للبغي ، والراضين بالظلم ، والقابلين للضيم أقدم هذا الموضوع بعنوان :
براءة الدين من عجز المتدينين – دروس في المقاومة
سائلا المولى عز وجل التوفيق والسداد والإخلاص والقبول ، راجيا من القراء الكرام أن يعطوا هذا الموضوع ما يستحقه من الوقت حتى يفقهوه ، فالعلم قبل القول والعمل . والله الموفق .
الدرس الأول
قال النووي في شرح مسلم : " فيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق ، سواء كان المال قليلا أو كثيرا لعموم الأحاديث ، وهذا قول الجماهير من العلماء . "
فتستفيد من هذا الحديث الوقوفَ في وجه الظالم الباغي ، واستخدامَ القوة في مواجهته ، وعدم الرضوخ لطلباته ، وبهذا يرتدع الظلمة فلا يكررون المحاولة ، أما إذا رضخ المعتدَى عليه وسلَّم لهم ما يطلبون من المال ، فسيستمرئ الظلمة الظلم ، ويظلون يسلبون ويغصبون وينهبون ،
وفي هذه الحال يكون المستسلِم كأنه متعاون معهم .
فلنحفظ هذا التوجيه النبوي الكريم : فلا تعطه مالك – قاتله .
" بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، والتي أمر الله بها رسوله ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ، ومن سئل فوقها فلا يعط . رواه البخاري .
قال العيني في عمدة القاري : " فلا يعط لأنه خان بطلبه فوق الواجب فإذا ظهرت خيانتُه سقطت طاعتُه . "
فنستفيد من هذا الحديث أن العامل على الزكاة إذا طلب من المال ما لا حق له فإن التوجيه الشرعي في هذه الحالة يدعو إلى المنع ، وفي ذلك ردع للظلمة ، وصد لهم عن الكسب الحرام .
وقد قال بعضهم إن أحاديث القتال عن المال إنما تعني قتال اللصوص دون غيرهم !
قال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل ردا على هؤلاء وتعليقا على هذا الحديث :
" وهذا يبطل تأويل من تأول أحاديث القتال عن المال على اللصوص ، لأن اللصوص لا يطلبون الزكاة ، وإنما يطلبها السلطان ، فافترض عليه السلام منعها إذا سئلها على غير ما أمر به عليه السلام ، وَلو اجتمع أهلُ الحق ما قواهم أهلُ الباطل . "
ثم طرح ابن حزم سؤالا ( على لغة العجم ) أو سأل ( على لغة العرب ) القائلين بعدم مواجهة الظلم الرسمي :
" ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهودَ أصحابَ أمره ، والنصارى جندَه ، وألزم المسلمين الجزيةَ ، وحمل السيف على أطفال المسلمين ، وأباح المسلماتِ للزنا ، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين ، وملك نساءهم وأطفالهم ، وأعلن العبث بهم ، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلن به لا يدع الصلاة ؟
فإن قالوا لا يجوز القيام عليه . قيل لهم : إنه لا يدع مسلما إلا قتله جملة ، وهذا إن ترك أوجب ضرورة ألا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه .
فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة وانسلخوا منه .
وإن قالوا : بل يقامُ عليه ويقاتَل - وهو قولهم - قلنا لهم : فإن قتَل تسعةَ أعشار المسلمين أو جميعَهم إلا واحدا ، وسبى من نسائهم كذلك ، وأخذ من أموالهم كذلك ، فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا .وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك ، ولانزال نحطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد ، أو على الغلبة على امرأة واحدة ، أو على أخذ مال ، أو على انتهاك بشرة بظلم ، فإن فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا ، وتحكموا بلا دليل ، وهذا ما لا يجوز وإن أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق . " وهي إلزامات لا جواب عنها إلا الاعتراف بحق المظلوم في مقاومة الظالم رأسا كان هذا الظالم أو مرؤوسا .
فقد مدح الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية بالانتقام ممن بغى عليهم بعد أن مدحهم بالإيمان والتوكل على الله عز وجل ، واجتناب كبائر الإثم والفواحش ، والمغفرة عند الغضب ، والاستجابة لله ، وإقام الصلاة ، والشورى في الأمر ، والإنفاق مما رزقهم الله ، ولا تعارض بين ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الانتصار ، وما تضمنته الآيات من المغفرة والعفو ، فلكل موضعه .
قال أبو السعود في إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم في تفسير هذه الآية : " وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل ، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران ، فإن كلا منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه ، ورذيلة مذمومة في موقع صاحبه ، فإن الحلم عن العاجز ...محمود وعن المتغلب ... مذموم فإنه إغراء على البغي وعليه قول من قال :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكــــته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمــردا
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى * مضر كوضع السيف في موضع الندى "
فنستفيد من هذه الآية الكريمة أن الانتقام من الباغي فضيلة من أهم صفات المؤمنين .
أسئلة الدرس :
أ- على ضوء ما درست أجب عن الأسئلة التالية :
ب- حلل وناقش الأبيات التالية :
جـ - واجب بيتي :
انتهى الدرس .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك 1- ما ذا تفعل إذا جاء رجل يريد مصادرة أموالك بغير حق شرعي ؟ 2- ماذا تفعل إذا جاء رجل يريد غصب صوتك بغير حق شرعي ؟ 4- ما ذا تفهم من مدح الله للمؤمنين بالانتصار من البغاة في سورة مكية ؟ 5- ما موقع المقولة التالية في دين الإسلام : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ؟ 6- ما رأيك في مسلم يتبنى مذهب غاندي في جانبه العدمي ؟ 2-ماضٍ ولو كنتُ وحدي والدُّنا صرخت * بي قف ، مضيت فلم أُبْطِئْ ولم أقفِ 2- اقرأ كتاب : فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام للشيخ علي بلحاج ولخص مسوغات مواجهة الظلم في القانون الوضعي . 3- ما الإلزامات التي ألزم بها ابن حزم القائلين بالاستسلام للظلم الرسمي ؟ 1-وإذا لم يكن من المــوت بــــدٌّ * فمن العجز أن تكون جبــانا 3- من ظن أن على الوظيفة رزقـَـــه * عبد العبيدَ وناصر الظُّلاَّمــا 1-ارجع إلى كتاب الفِصَل في الملل والنحل لابن حزم ولخِّص فصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقارن بمذهب الفيلسوف الإنجليزي هوبز.


رد مع اقتباس

