أخي واحد لا زلت تكتب ما لا طائل من ورائه و لا تجرؤ على الدخول في حيثيات الموضوع و تفاصيله لضعف تثبتك فيه على ما يبدو ، لذلك تكتفي بالتعجب و ووضع الخطوط تحت كلامنا منتحلا صفة الدقيق الذي لا يتلفظ إلا بالوارد الثابت في حين تدافع عن معتقد لا يحترم معاني الثوابت و لا ألفاظها !

سبحان الله ! هل تدقق حقا في ما تكتبه قبل أن تضغط زر الإرسال ؟!

أنا اقول بظواهر كلام الله تعالى و أنه كلم الملائكة كلاما مسموعا فقال: ( اسجدوا لآدم ) ثم لما فرغ من تكليم الملائكة كلم إبليس فقال : ( ما لك ألا تكون مع الساجدين ) فالله عندي و عند العقلاء يتكلم متى شاء . أما عندك فكلام الله هو كلام نفسي واحد ! فهل تعرف معنى هذه العبارة أم تحتاج أن اشرحها لك؟! فإن كنت تعي معناها فأخبرني هل نطق بهذه الفلسفة الساقطة عقلا نبي مرسل أو كتاب منزل؟!

أما قولنا بقدم النوع فهذا يعني قدم الصفة أي أن الله لا يزال متصفا بصفة الكلام منذ القدم و لا يزال متكلما متى شاء بما شاء مصداقا لقوله تعالى : ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له : كن فيكون ) أما أنت فلا تقول بالظاهر المفهوم من هذه الآية فالله لا يتكلم عندك متى شاء بما شاء؟!


و العجيب أنك تسألني أنا عن الدليل مع أن النقل ظاهر متوافر في تأييد كلامي و كذا العقل ! أما أنت فما تقوله في صفة الكلام لا دليل لك عليه من النقل ، و العقل كذلك يمجه و يرفضه إذا كان مبناه على قواعد فاسدة و تصورات لا حقيقة لها البتة!

ثم أين ما يعارض النصوص في كلامي؟ و انتبه إلى أنني أسألك أن تأتيني بالنصوص الثابتة المعارضة للمعاني التي أعبر عنها بالألفاظ المستحدثة . و إنما قلت مستحدثة لأننا لا نقر العقائد من خلالها و إنما هي عبارات من جنس عبارات المتكلمين نبين لهم من خلالها تناقضهم و خطل آرائهم. ثم إذا أردنا أن نبين العقائد فإنما نبينها بقال الله قال الرسول قال الصحابة و لا نقول قال أرسطو الذي يصفه من عارض نصوص الوحيين بالآراء السخيفة : بالمعلم الأول !


فلما قال القوم : الحادث لا يكون إلا مخلوقا. قلنا : بل منه ما ليس بمخلوق وهو الذي يقوم بالذات الإلهية. و لما قال القوم بكلام نفسي لا يتجزأ و لا يتبعض ، قلنا بل هو متصف بصفة الكلام قدما و يتكلم متى شاء بما شاء. و قال القوم : نزوله يعني انتقاله من مكان مخلوق إلى مكان مخلوق. فقلنا: بل هذا لازم النزول في حق المخلوق لا الخالق. و هكذا ... فلو سكت القوم و لم تنطق ألسنتهم برد ظواهر النصوص لما تكلمنا بشيء البتة إذ أن القرآن عندنا هو كما وصفه الله تعالى بقوله : ( قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين )

ولذلك أنا لا تحرج من تدريس قصة خلق آدم كما هي في كتاب الله تعالى سواء أكنت أشرحها لصبيان المسلمين أو عوامهم أو طلبة العلم منهم ! فالله كلم الملائكة بشأن إرادته خلق آدم عليه السلام . فتكلمت الملائكة بحسب ما عندها من العلم. فأجابهم الله تعالى بقوله: إني أعلم ما لا تعلمون . ثم أمر الملائكة بعد خلق آدم أن يسجدوا له. فلما أبى اللعين السجود سأله عن سبب امتناعه. ثم تكلم إبليس فقال مستكبرا: أنا خير منه. ثم تكلم الله بعد أن فرغ إبليس من كلامه فقال: اخرج منها فإنك رجيم. .... و هكذا لا أتوقف في ثناياها لاذكر بأن كلام الله هو كلام نفسي قديم لا يتجزأ و لا يتبعض و القرآن هو عبارة مخلوقة عنه! إلى آخره من هذا الهذيان الذي لا يستقيم في عقل و لم يرد نقل بتصديقه البتة !

تدعوني إلى التأمل يا اخي! و اسألك في أي شيء أتأمل ؟! أنا اؤمن بظواهر النصوص ! بظاهر قوله تعالى: ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ). و بظاهر قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ). و لا أقول : وأي نص أوهم التشبيه فأوله أو فوض ورم تنزيها! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. أعبارات مقلدة المنقرضين من أتباع أرسطوطاليس نروم بها التنزيه دون كلام العلي العليم؟! ايحتاج كلام من يعلم السر و أخفى إلى أن ندفع عنه التشبيه باحترازات الفلاسفة و المتكلمين؟! كيف يعقل هذا و الله يقول في محكم التنزيل: ( لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه )!

الحقيقة المرة يا أخي و القصة التي ربما تجهلها أو يجهلها الكثيرون هي أن القوم أرادوا في البدء أن يردوا على الفلاسفة زعمهم قدم العالم فاقبلوا على تراث مناطقة اليونان يستلهمون منه الرشد! فانشأوا ما يسمى بدليل الحدوث و القدم ليبطلوا به قول الفلاسفة. فقالوا : ما كان محلا للحوادث فهو حادث ، و به نثبت حدوث العالم . فأحرزوا بهذا نصرهم التاريخي المعروف على الفلاسفة. فحاصت الفلاسفة كيف ترد عليهم و بأي شيء تسكتهم. فنظر من يعدون دهاتهم في كلام الله و دبروا للقوم مكيدة أوقعوهم من خلالها في شر طريقتهم و بعدهم عن تأصيل العقيدة بحسب ما كان عليه الأصحاب . فأوهموهم أن القرآن ينطق ظاهره بحوادث مخلوقة تقوم بالذات الإلهية كقول الله عز و جل : وكلم الله موسى تكليما. و كقوله : وجاء ربك و الملك صفا صفا . فشعر المتكلمة بالأرض تمور من تحت أقدامهم حتى قال قائلهم: لو استطعت أن أحكها من كتاب الله لفعلت! و هكذا بدأت حملة التحريف و التبديل لمعاني كلام الله. فتصدى لها جبابرة و اسود رفعوا راية الحق جيلا بعد جيل يفضحون خزعبلات القوم و أفكارهم السقيمة و يردونهم بالدليل النقلي و العقلي إلى الجادة. فمن متقدميهم الذي هو بحق قائدهم و زعيمهم بلا منازع الإمام أحمد بن حنبل. ومن متأخريهم تلميذ نجيب لأحمد لا يذكر اسمه عندهم إلا امتعضت منه القلوب و التهبت الصدور عليه حقدا و غيظا و أعني به شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال فيه الذهبي: ( لو حلفت بين الركن والمقام إني ما رأيت كابن تيمية لصدقت ، ولو حلفت بين الركن والمقام انه ما رأى مثل نفسه لصدقت ) فجزاه الله عنا كل خير .