أوضح الإمام الطبري مذهبه في هذه القضية في كتابه التبصير في معالم الدين , ومذهبه هو مذهب السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم , وهو مناقض ومباين لمذهب ابن تيمية ومن تبعه وقلده في هذه المسألة .
ولايخفى على متأمل ما أرومه من مقارنتي بين مذهب الطبري السلفي ومذهب ابن تيمية الذي كثيرا ما يعزو للسلف من الأقوال ما هم بريئون منه , بل معادون له أشد العداء , ومنابذون له كل المنابذة .
فمذهب ابن تيمية لم يعد مذهبا خاصا به ارتآه وبناه على ما ظهر له , ثم مضى ومضى مذهبه معه , كلا , بل هو اليوم مذهب يدعى إليه بقوة , ويضلل من لا يقول به , لأنه ـ كما يزعم مقلدو ابن تيمية ـ هو مذهب السلف الصالح , ومن هنا يتوجب على كل من يستطيع البيان أن يوضح مذهب السلف الصالح الحقيقي الذي يباين الصورة التي صورها ابن تيمية سابقا والتي يصر مقلدوه اليوم عليها .
وعسى أن تكون هذه المقارنات شيئا من المساهمة في هذا التوضيح الذي ذكرت .

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في كتابه التبصير في معالم الدين ص/ 202 :
( ...
ومن أبى ما قلنا في ذلك , قيل له : أخبرنا عن الكلام الذي وصفت أن القديم به متكلم .. أخلقه ـ إذ كان عنده مخلوقا ـ في ذاته , أم في غيره , أم قائما بنفسه ؟
فإن زعم أنه خلقه في ذاته فقد أوجب أن تكون ذاته محلا للخلق , وذلك عندالجميع كفر .
وإن زعم ..... ) انتهى .

وهذا موضع الشاهد من كلامه رحمه الله تعالى , أن الاعتقاد بأن ذات الله تعالى محل للحوادث والخلق كفر عندالجميع .
ولا يعكر على ما نريد , كونه رحمه الله تعالى عبر بقوله ( خلقه في ذاته ... وأن ذاته محل للخلق ) لأن المعنى جلي وواضح , فالذي يعنيه الطبري أنه تعالىمنزه عن أن يكون في ذاته ما لم يتصف به أزلا , أي أنه قد حدث وتجدد وكان في ذاته مالم يكن قبل , وهذا حكمه الكفر عند الجميع .

إلا أن ابن تيمية لا ينكر كونه كفرا فحسب , كلا , بل يعده عين الحق والسنة , وصريح مذهب السلف الصالح الذي لا يحيد عنه إلا ضال .
ولقد أطال كثيرا في كتبه من ذكر هذه المسألة , وتنوع في إثباتهاأسلوبه , كما تنوع أيضا أسلوبه في التشنيع على خصومه لأجلها , ويكفينا هنا أن نذكرأحد نصوصه المصرحة بمذهبه المناقض لما ذكره الطبري .

قال ابن تيمية في منهاج السنة 2 /381 :
(
فإذا قالوا لنا : فهذا [ يعني مذهبه أن كلامه تعالى حادث شيئا بعد شيء بمشيئته وقائم بالذات ] يلزم أن تكون الحوادث قامت به .
قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة ؟! ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل , وهو لازم لجميع الطوائف , ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته ) انتهى .

وهذا نص معلن بكل صراحة عما يريده .
ففي الوقت الذي يصرح الطبري أن اعتقاد حلول الحوادث والمخلوقات في ذاته تعالى كفر عند الجميع , يعلن ابن تيمية أن هذا الاعتقاد بعينه هو معتقد السلف والأئمة وهو صريح القرآن والسنة والعقل , بل هو لازم لا فرار منه لكل الطوائف !!

ولكننا نعلم يقينا أن ابن تيمية مخطئ في ما قاله وذهب إليه , بيد أن علمنا هذا غير مجد في إقناع من نريد إقناعه مالم ننقل من كتب القوم المقبولة لديهم والمشهورة عندهم بنقل عقائد السلف الصالح .

من هذه الكتب التي يحتفل بها ادعياء ( السلفية ) هداهم الله تعالى كتاب الحيدة للكناني .

جاء في هذا الكتاب ص/127 :
(
قال عبدالعزيز [ يعني الكناني ] فأقبل علي المأمون , فقال : يا عبدالعزيز تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها , ودع بشرا [ يعني المريسي ] فقد انقطع عن الجواب من كل جهة .
فقلت : نعم يا أمير المؤمنين , سألته عن كلام الله أمخلوق هو ؟ فقال : نعم . فقلت له ياأمير المؤمنين ما يلزمه في هذا القول , وهو واحدة من ثلاث لا بد منها : أن يقول إنالله خلق كلامه في نفسه , أو خلقه في غيره , أو خلقه قائما بذاته .
فإن قال : إن الله خلق كلامه في نفسه . فهذا محال , لا يجد السبيل إلىالقول به من قياس ولا نظر ولا معقول , لأن الله تبارك وتعالى لا يكون مكانا للحوادث , ولا يكون فيه شيء مخلوق , ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه تعالى الله عنذلك وجل وتعاظم.... ) انتهى المقصود من النص .

والكناني بإقرار ابن تيمية نفسه أنه ممن ينقل مذهب السلف , ومناظرته هذه مع المريسي محل اعتبار وتقديرعنده وعند مقلديه .
وها هو يصرح في كتابه هذا بنقيض ما عزاه ابن تيمية للسلف , ولعل القارئ يرى بوضوح وجه التشابه بين كلام الطبري والكناني , ولو أنني نقلت الكلام بتمامه لظهر بجلاء قدر التطابق بين التعبيرين , وهذا قد يشير إلى ذلك الوضوح الذي كانت عليه هذه القضية في أذهان العلماء المتقدمين من السلف والذين جاءوا بعدهم .
وغريب حقا أن تكون هذه القضية بكل هذا الوضوح عند هؤلاء العلماء وتعاملهم معها بهذه الشدة التي تظهر من هذين النصين , ثم يدعي ابن تيمية مشنعا على خصومه الموافقين للسلف الصالح , يدعي أنه لا أحد من السلف والأئمة قال بقولهم المخالف ـ بزعمه ـ للقرآن والسنة والعقل !!!
إنه غريب حقا ويدعو إلى التأمل طويلا في كلام هذا الشيخ وفي الأساس الذي انطلق منه !